The Holy Bible Interpretation



Jesus. The Way, the Truth, and the Life.

New Testament's Outline





† Containing the birth, and the early years of Jesus Mt. Ch. 01-02
† The discourses and actions of John the Baptist Mt. Ch. 03-04
† The discourses and actions of Christ in Galilee Mt. Ch. 04-26
    † The Sermon on the Mount, concerning morality Mt. Ch. 05:07
    † The Mission Jesus gave his Twelve Apostles Mt. Ch. 10-11
    † The Parable about the Kingdom of Heaven Mt. Ch. 13-13
    † The Discourse of relationships among Christians Mt. Ch. 18-19
    † The Discourse concerning the Second Coming Mt. Ch. 24-25
† Jesus’ Passover Mt. Ch. 26-27
† The sufferings, death and Resurrection of Jesus Mt. Ch. 28-28
                    ... Read More
† Preparation for the Ministry Mk. Ch. 1:1–13
† Jesus manifests the power of the kingdom Mk. Ch. 1:14–45
† Israel is divided over Jesus’ authority Mk. Ch. 2:1–5:43
† Nazareth divided: doubters and disciples Mk. Ch. 6:1–13
† The Forerunner beheaded Mk. Ch. 6:14–29
† Jesus relates to the Jews Mk. Ch. 6:30–7:23
† Jesus relates to the Gentiles Mk. Ch. 7:24–8:26
† The glory of the kingdom revealed Mk. Ch. 8:27–9:13
† The response of this world Mk. Ch. 9:14–50
† Journey to Jerusalem: The Kingdom's Discipline Mk. Ch. 10:1–52
† The Messiah made manifest Mk. Ch. 11:1–13:37
† Betrayal and Passover meal Mk. Ch. 14:1–31
† The Passion Mk. Ch. 14:32–15:47
† The Resurrection Mk. Ch. 16:1–20
                    ... Read More
† The Beginning of Jesus’ Ministry Lk. Ch. 01:01-04:13
† Jesus’ Ministry in Galilee Lk. Ch. 04:14-09:50
† The Way to Jerusalem Lk. Ch. 09:51-19:27
† Jesus’ Ministry in Jerusalem Lk. Ch. 19:28-23:56
  † Jesus Arrives in Jerusalem Lk. Ch. 19:28-48
  † Jesus Examined for Blemish Lk. Ch. 20:1-21:4
  † Temple Destruction Foretold Lk. Ch. 21:5-38
  † Passover Approaching Lk. Ch. 22:01-13
  † On the Mount of Olives Lk. Ch. 22:39-53
  † One Long Night Lk. Ch. 22:54-23:25
  † The Crucifixion Lk. Ch. 23:26-49
  † The Burial of Jesus Lk. Ch. 23:50-56
† The Resurrection of Jesus Lk. Ch. 24:01-53
                    ... Read More
† The Beginning of Jesus’ Ministry John. Ch. 1
† Miraculous Signs and Controversies John. Ch. 2-10
† Raising Lazarus John. Ch. 11-12
† Jesus Arrives in Jerusalem John. Ch. 12
† The Last Supper John. Ch. 13-16
† Jesus’ Prayer John. Ch. 17
† The Trial of Jesus John. Ch. 18
† The Crucifixion & The Burial of Jesus John. Ch. 19
† The Resurrection John. Ch. 20-21
                    ... Read More

سلسلة فتشوا الكتب - أسفار العهد الجديد - ابونا داود لمعي

سلسلة فتشوا الكتب - أسفار العهد الجديد - ابونا داود لمعي

سلسلة فتشوا الكتب - أسفار العهد الجديد - ابونا داود لمعي

Interpretation Of The New Testament † Fr. Dawood Lamie

Interpretation Of The Old Testament † Fr. Dawood Lamie


مقدمة شرح العهد الجديد – للقمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير إنجيل متى - المقدمة
  • الكاتب
  • لغة الكتابة
  • تاريخ كتابته
  • مكان كتابته
  • غرض الكتابة
  • سماته
  • الجانب اللاهوتي
  • الجانب الكنسي
  • الجانب الإسخاتولوجي (الأخروي)
  • الأرقام
  • محتويات السفر
  • أقسام السفر


الكاتب
  • القدّيس متّى الإنجيلي، هو أحد الاثني عشر تلميذًا، كان عشَّارًا اسمه لاوي واسم أبيه حلفى. رآه السيّد المسيح جالسًا عند مكان الجباية فقال له: اتبعني، فقام وتبعه (مت9: 9؛ مر2: 14؛ لو5: 29). ترك لاوي الجباية التي كان اليهود يتطلّعون إليها ببغضةٌ، لأنها تمثل السلطة الرومانيّة المستبدة، وعلامة إذلال الشعب لحساب المستعمر الروماني المستغلّ. وقد سجّل لنا معلّمنا لوقا البشير الوليمة الكبرى التي صنعها لاوي للسيّد في بيته، ودعا إليها أصدقاءه السابقين من عشّارين وخطاة حتى يختبروا عذوبة التبعيّة للسيّد المسيح بأنفسهم (لو5: 29)، الأمر الذي أثار معلّمي اليهود، قائلين للتلاميذ: لماذا يأكل معلّمكم مع العشّارين والخطاة؟ أمّا هو فأجاب: "لا يحتاج الأصحاء إلى طبيب بل المرضى، لم آت لأدعو أبرارًا بل خطاة إلى التوبة" (مت9: 11-12).
  • أما كلمة "متّى" فتعني "عطيّة الله"، وبالعبرانيّة "نثنائيل"، وباليونانيّة "ثيودورس"، والتي عُرِّبت "تادرس". وكأن الله بدعوته لمتّى أشبع قلبه كعطيّة إلهيّة فانتزعت نفسه من محبّة المال وأخرجت قلبه خارج الجباية.


لغة الكتابة
  • يقول بابياس أسقف هيرابوليس عام 118 م. أن متّى حوى التعاليم باللسان العبري، وكل واحد فسّرها (ترجمها) كما استطاع. هذا أيضًا ما أكّده القدّيس إيريناؤس والعلامة أوريجينوس(40) والقدّيسان كيرلس الأورشليمي(41) وأبيفانيوس(42). ويروي لنا المؤرخ يوسابيوس أن القدّيس بنتينوس في زيارته إلى الهند وجد إنجيل متّى باللسان العبري لدى المؤمنين تركه لهم برثولماوس الرسول.


تاريخ كتابته
  • استقرّ رأي غالبيّة الدارسين أنه كُتب بعد إنجيل معلّمنا مرقس الرسول ببضع سنوات، وقبل خراب الهيكل اليهودي حيث يتحدّث عنه كنبوّة لا كواقعة قد تمت. لهذا يقدرون كتابته بالربع الثالث من القرن الأول.


مكان كتابته
  • يرى التقليد أن الإنجيل كُتب في فلسطين، الأمر الذي لم يشك فيه أحد من آباء الكنيسة الأولى، وإن كان بعض الباحثين رأوا أنه كُتب في إنطاكيّة أو فينيقيّة.


غرض الكتابة
  • كتب القدّيس متّى إنجيله لليهود الذين كانوا ولا يزالوا ينتظرون المسيّا الملك الذي يُقيم مملكة تسيطر على العالم. فالكاتب يهودي تتلمذ للسيّد المسيح يكتب لإخوته اليهود ليُعلن لهم أن المسيّا المنتظر قد جاء، مصحّحًا مفهومهم للملكوت، ناقلًا إيّاهم من الفكر المادي الزمني إلى الفكر الروحي السماوي
  • لقد كرّر كلمة "ابن داود" لتأكيد أن "المسيّا" هو الملك الخارج من سبط يهوذا ليملك، لكن ليس على نفس المستوى الذي ملكوا به في أرض الموعد، إنّما هو ملكوت سماوي (مت13: 43؛ 25: 34)؛ (7: 21؛ 8: 11؛ 16: 28). حقًا لقد كان اليهود ينتظرون بحمية شديدة مجيء المسيّا المخلّص ليملك. وقد جاء وملك لكن ليس بحسب فكرهم المادي!
  • حمل هذا الإنجيل أيضًا جانبًا دفاعيًا عن السيّد المسيح، فلم تقف رسالته عند تأكيد أن فيه تحقّقت نبوّات العهد القديم، وإنما دافع ضدّ المثيرات اليهوديّة، لهذا تحدّث بوضوح عن ميلاده من عذراء، ودافع الملاك عنها أمام خطيبها، وروى تفاصيل قصّة القيامة والرشوة التي دفعها اليهود للجند. لهذا دعا R. V. G. Tasker هذا الإنجيل بالدفاع المسيحي المبكّر
  • G. D. Kilpatrick أن هذا الإنجيل في أصوله كتب بهدف ليتورجي، لتُقرأ فصوله أثناء العبادة المسيحيّة. وقد اعتمد في ذلك على ما اتسم به الإنجيل من وضوح واختصار ومطابقات وتوازن في اللغة. لكن البعض يرى أن مثل هذه السمات لا تعني أن هذا الإنجيل كتب بهذا الهدف، إنّما هي سمات الكاتب الأدبيّة، وأنه بسبب هذه السمات استخدم الإنجيل بطريقة واسعة في الأغراض الليتورجيّة


سماته
  • استخدم هذا الإنجيل في الاقتباسات الواردة في كتابات الكنيسة الأولى أكثر من غيره. ولعلّ نشره للموعظة على الجبل بطريقة تفصيليّة كدستور للحياة المسيحيّة كان له أثره على المؤمنين. أمّا سماته فهي:
  • إذ كتب متّى الإنجيلي هذا الإنجيل لليهود أوضح بطريقة عميقة العلاقة الأكيدة بين المسيحيّة والعهد القديم، موضّحًا كيف كانت الكنيسة مُبتلعة في التفكير في نبوّات العهد القديم التي تحقّقت روحيًا في المسيح يسوع ربنا. لقد أشار إلى حوالي 60 نبوّة من العهد القديم، كما تكرّرت كلمة الملكوت حوالي 55 مرّة، وذُكر السيّد المسيح كابن لداود ثمان مرّات، معلنًا أنه الموعود به. لقد حمل هذا الإنجيل جوًا يهوديًا أكثر من غيره، فيفترض في القارئ معرفة العبريّة (5: 19)، يستعمل التعبيرات المفضّلة عند اليهود كدعوة أورشليم بالمدينة المقدّسة (4: 5؛ 27: 52-53)، والهيكل بالمكان المقدّس (24: 15). يتحدّث عن أسس الأعمال الصالحة الثلاثة عند اليهود، أي الصدقة والصلاة والصوم (6: 1-8، 16-18)، وعن واجبات الكهنة في الهيكل (12: 5) وضريبة الهيكل (17: 24-27)، والعشور (23: 23) وغسل الأيدي علامة التطهير من الدم (27: 24) إلخ.
  • أوضح أن السيّد لم يأتِ ليحتقر العهد القديم، بل ليدخل به إلى كمال غايته، من جهة الناموس والوصيّة وتحقيق ما جاء به من وعود خاصة بالخلاص. هذا التحقيق لم يتمّ فقط خلال تعاليم السيّد المسيح، وإنما أيضًا خلال شخصه كمخلّصٍ وفادٍ. هذا ما دفع بعض الدارسين إلى التطلّع إلى هذا الإنجيل كدراسة حاخاميّة مسيحيّة تكشف عن إعلان السيّد المسيح المخفي في العهد القديم
  • إذ يكتب متّى الإنجيلي لليهود لم يغفل عن مصارحتهم بأخطائهم، فيقول عن قائد المائة الروماني: "لم أجد ولا في إسرائيل إيمانا بمقدار هذا، وأقول لكم إن كثيرين سيأتون من المشارق والمغارب ويتّكئون مع إبراهيم وإسحق ويعقوب في ملكوت السماوات، وأما بنو الملكوت فيُطرحون إلى الظلمة الخارجيّة" (8: 10، 12). وقوله: "ابن الإنسان يُسلّم إلى
  • رؤساء الكهنة والكتبة، فيحكمون عليه بالموت" (20: 18)، وأيضًا: "ملكوت الله ينزع منكم ويعطي لأمّة تعمل أثماره" (21: 43). منتقدًا تفسيرهم الحرفي لحفظ السبت (12: 1-13)، واهتمامهم بالمظهر الخارجي للعبادة (6: 2، 5، 16)، وانحرافهم وراء بعض التقاليد المناقضة للوصيّة (15: 3-9)، مؤكدًا لالتزامهم بالوصايا الشريعيّة حتى تلك التي ينطق بها الكتبة والفرّيسيّون مع نقده الشديد لريائهم (ص23) إلخ
  • إن كان هذا الإنجيل قد حمل جوًا يهوديًا أكثر من غيره من الأناجيل لكنّه لم يغفل القارئ الأممي، فيشرح له بعض الألفاظ المعروفة لدى اليهود كقوله: "عمانوئيل الذي تفسيره الله معنا" (1: 23)، "موضع يقال له جلجثّة، وهو المُسمّى موضع الجمجمة" (27: 33). وشرح بعض النواحي الجغرافيّة، كقوله: "وأتى وسكن في كفرناحوم التي عند البحر في تخوم زبولون ونفتاليم" (4: 13). وشرح المعتقدات التي يعرفها اليهودي مثل: "جاء إليه صدّيقيّون، الذين يقولون ليس قيامة" (22: 23)، وأيضًا عادات يهوديّة مثل "كان الوالي معتادًا في العيد أن يطلق لهم أسيرًا واحدًا من أرادوه" (27: 15)
  • مع اهتمام الإنجيلي بالشئون اليهوديّة ليس فقط بالالتجاء إلى نبوّات العهد القديم، وإنما أيضًا بالالتزام بالوصايا الناموسيّة (5: 8)، وتعاليم الكتبة والفريسيين الجالسين على كرسي موسى (23: 2)، بطريقة روحيّة عميقة وجديدة، أعلن السيّد أنه مُرسل لخراف إسرائيل الضالة (15: 24)، ويرجع نسبه إلى إبراهيم أب اليهود، وينقسم إلى ثلاثة أقسام تتكون من 14 جيلًا عن كل قسم بطريقة حاخاميّة، وأنه ابن داود المنتظر الذي يدخل المدينة المقدّسة كغالبٍ. هذه جميعها تُشير إلى تحقيقات أمنيات اليهود لكن الإنجيلي لم يقف عند هذا الحد؛ أيضًا عند الخصوصيات اليهوديّة بل انطلق بفكرهم إلى الرسالة الإنجيليّة الجامعيّة، معلنًا ظهور إسرائيل الجديد الذي لا يقف عند الحدود الضيقة. فقد ورد في نسب السيّد أمميّات غريبات الجنس، وفي طفولته هرب إلى مصر كملجأ له، معلنًا احتضان الأمم لملكوته (2: 13)، وفي لقاءاته مع بعض الأمميّين والأمميّات كان يمدحهم معلنًا قوّة إيمانهم، وفي نفس الوقت هاجم الكتبة والفرّيسيّين في ريائهم وضيق أفقهم (23)، وفي مثل الكرم تحدّث عن تسليم الكرم إلى كرّامين آخرين (21: 33)، وكأنه انطلق بهم من الفهم الضيّق المتعصّب إلى الفهم الروحي الجديد وإعلان الرسالة العظيمة الممتدة إلى جميع الأمم، حيث ختم السفر بكلمات السيّد الوداعيّة: "اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم" (28: 19).


الجانب اللاهوتي
  • إنجيل متّى هو "إنجيل الملكوت"، مركزه "ملكوت السماوات" الذي يُعلن بوضوح في الأحاديث التعليميّة للسيّد المسيح كما في أمثاله ومعجزاته. هذا الملكوت هو ملكوت المستقبل (25: 34؛ 7: 21؛ 8: 11؛ 16: 28)، لكنّه يبدأ من الآن في حياتنا كحقيقة حاضرة (12: 28؛ 4: 17؛ 5: 3؛ 11: 3). كأن ملكوت السماوات قد بدأ فعلًا بمجيء السيّد المسيح وسكناه في قلوبنا ليُعلن بكماله في مجيئه الأخير
  • أما رب الملكوت فهو "المسيّا" المخلّص الذي كشف الإنجيل عن سلطانه الملوكي، موضّحًا أنه فيه تمّ المكتوب، وتحقّقت المواعيد الإلهيّة، وتمتّعت الشعوب بمشتهى الأمم! إنه موسى الجديد على مستوى فريد وفائق، يصوم أربعين يومًا، ويجرّب على الجبل ليغلب باسم شعبه وتخدمه الملائكة، يكمّل الشريعة الموسويّة لا بتسلّم وصايا على حجر منقوش بل يتكلّم بسلطان من عنده، يُشبع الجموع التي في القفر، ويتجلّى أمام تلاميذه مستدعيًا موسى وإيليّا ومتحدّثًا معهما! إنه ابن الله، لكنّه هو أيضًا ابن الإنسان، إذ حلّ في وسطنا ليدخل بنا إلى أمجاده. لهذا يدعوه "ابن الإنسان" في مواقف المجد الفائق


الجانب الكنسي
  • لما كان إنجيل متّى البشير هو إنجيل الملكوت لهذا فهو أيضًا إنجيل الكنيسة بكونها سرّ ملكوت الله. إنه الوحيد بين الإنجيليّين يسجّل لنا تعاليم خاصة بالكنيسة بطريقة صريحة وواضحة على لسان السيّد المسيح، الذي نُسب إليه استخدام كلمة "إككليسيّا" مرّتين في عبارتين غاية في الأهمّية: فتحدّث عن أساس الكنيسة: صخرة الإيمان، قائلًا لبطرس الرسول حين أعلن إيمانه به، "على هذه الصخرة ابني كنيستي وأبواب الجحيم لن تقوى عليها" (مت16: 18). كما تحدّث عن سلطان الكنيسة. "وإن لم يسمع منهم فقُل للكنيسة، وإن لم يسمع من الكنيسة فليكن عندك كالوثني والعشّار. الحق أقول لكم كل ما تربطونه على الأرض يكون مربوطًا في السماء، وكل ما تحلّونه على الأرض يكون محلولًا في السماء" (18: 17-18)
  • هذا يكشف لنا عن اهتمام الإنجيلي متّى بالأمور الكنسيّة. والملاحظ أنه يؤكّد سرّ الكنيسة كحضرة الله وسط شعبه، وفي قلوبهم بطريقة وبأخرى عَبْر السفر كله، فيفتحه بحديث الملاك للقدّيس يوسف عن السيّد المسيح: "ويدعون اسمه عمّانوئيل الذي تفسيره الله معنا" (1: 23).
  • وينقل إلينا حديث السيّد مع تلاميذه مقدّمًا لنا صورة مبسّطة للكنيسة المحليّة، بقوله: "لأنه حيثما اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمي فهناك أكون في وسطهم" (18: 20).
  • كما أوضح السيّد الكنيسة الخفيّة في قلب الشاهد للحق، خاصة خلال عمله الرسولي بقوله: "من يقبلكم يقبلني" (10: 40)، "من قبِل ولدًا واحدًا مثل هذا باسمي فقد قبلني" (18: 5) (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات والتفاسير الأخرى). كما يظهر معيّته مع شعبه المحتاج والمتألّم بقوله في اليوم الأخير: "بما أنكم فعلتموه بأحد إخوتي الأصاغر فبي فعلتم" (25: 40). ويرى العلامة ترتليان أن الإنجيلي متّى في عرضه لملاقاة السيّد مع تلاميذه داخل السفينة وسط الرياح الثائرة صورة حيّة للكنيسة التي تستمد سلامها من السيّد المسيح الساكن فيها والمتجلّي داخلها بالرغم ممّا يثيره الشيطان من اضطرابات ومضايقات.
  • أخيرًا فإن الإنجيلي يختم السفر بكلمات السيّد لتلاميذه أن يتلمذوا جميع الأمم ويعمّدوهم ويعلّموهم أن يحفظوا جميع ما أوصاهم به (28: 19، 20) مؤكدًا معيّته معهم كل الأيام إلى انقضاء الدهر (28: 20)، وكأن الكنيسة ممتدة من حيث المكان لتشمل الأمم ومن حيث الزمان إلى مجيئه الأخير لتعيش معه وجهًا لوجه!


الجانب الإسخاتولوجي (الأخروي)
  • إذ هو سفر الملكوت السماوي الذي ينطلق بمجيء المسيح الأول ليعد الكنيسة لملاقاته في مجيئه الأخير أكّد الإنجيلي الفكر الإسخاتولوجي (الأخروي) بصورة واضحة خاصة في الأصحاحين (24، 25). ففي الأول تحدّث عن علامات انقضاء الدهر، لا لمجرد المعرفة، وإنما بقصد الاستعداد بالسهر الدائم لمجيئه الأخير. وفي الأصحاح التالي قدّم لنا أمثلة رائعة عن الملكوت السماوي وملاقاتنا مع السيّد على السحاب


الأرقام
  • إذ يكتب الإنجيلي متّى لليهود يهتمّ بالأرقام المحبّبة لهم خاصة أرقام 3، 5، 7. فمن جهة رقم 3 نجده يقسّم نسب السيّد المسيح إلى ثلاثة مراحل (1: 17)، والتجارب التي واجهها السيّد ثلاثة (4: 1-11)، وأركان العبادة ثلاثة (6: 1-18)، ويقدّم ثلاث تشبيهات للصلاة: السؤال والطلب والقرع (7: 7-8)، وفي التجلّي أخذ السيّد معه ثلاث تلاميذ (17: 1)، وأيضًا في بستان جثّسيماني (26: 37)، وهناك صلي ثلاث مرّات (26: 39-44) وبطرس الرسول أنكر السيّد ثلاث مرّات (26: 75). وسنحاول الحديث عن معنى الأرقام أثناء عرضنا لتفسير الإنجيل
  • من أهم ملامح هذا السفر أنه يتكون من خمس مقالات كبرى يلحقها أو يسبقها بعض القصص، حتى رأى البعض أن السفر يمثّل خمسة كتب جاءت مقابل أسفار موسى الخمسة بكون السيّد المسيح هو موسى الجديد. أمّا المقالات الخمسة فهي:

† الموعظة على الجبل ص 5 - 7
† العمل الرسولي ص 10
† أمثال الملكوت ص 13
† تعاليم متنوّعة ص 18
† أحاديث إسخاتولوجيّة ص 23 - 25


أقسام السفر

إذ يتحدّث هذا السفر عن المسيّا كرب الملكوت السماوي، يمكننا تقسيم السفر هكذا:

† نسب الملك وميلاده ص ١ – ٢
لقد أكّد متّى البشير خلال نسب السيّد المسيح حسب الشريعة اليهوديّة، أنه ابن داود من سبط يهوذا آخِر ملك من السبط الملوكي، بمجيئه انتهت سجلاّت الأنساب، إذ تحقّق هدفها ولا يمكن حاليًا أن يعرف يهودي أنسابه حتى آدم كما كان في أيام السيّد المسيح.
† رسول الملك ص ٣
كانت العادة الشرقية أن يوجد للملك سابق يهيئ له الطريق. هكذا جاء يوحنا المعمدان الملاك الذي يهيئ الطريق للملك السماوي.
† اختبار الملك ص ٤ - ١ : ١١
دخول السيّد مع الشيطان في معركة على الجبل ليغلب، فيهب كل شعبه روح الغلبة والنصرة.
† إعلان ملكوته ص ٤ - ١٢ : ٢٥
أعلن ملكه السماوي مُقامًا على الأرض
† دستور الملك ص ٥ – ٧
"الموعظة على الجبل"، الدستور الذي يعيش على أساسه الشعب ليتهيّأوا للحياة السماويّة، ويتمتّعوا بالملكوت.
† خدمة الملك ص ٨ - ١١ : ١٩
إذ أعلن دستوره لشعبه مارس خدمته مع كل المحتاجين، مبتدئًا هنا بتطهيره الأبرص ولمسه ليؤكّد أنه جاء من أجل المرذولين والمنبوذين، وأن الأبرص لن ينجس السيد. ثم شفي خادم قائد المائة ليُعلن أنه جاء بالأكثر من أجل الخدم والعبيد لا يحتقّر إنسانًا لسبب أو آخر
† رفض الملك ص ٢٠ - ١١ : ٢٠
خاب أمل اليهود فيه إذ كانوا ينتظرون فيه ملكًا بمفهوم زمني يسيّطر ويملك ويُقيم دولة صهيونيّة تحكم العالم. اختلفت خدمته عمّا في أذهانهم ليفتح الباب للأمم.
† دخوله العاصمة ص ٢١ – ٢٥
دخوله الرسمي إلى العاصمة ليملك على الصليب بعد كشفه عن المفهوم الإنجيلي للملكوت.
† موت الملك وقيامته ص ٢٦ – ٢٨
ملك الرب على خشبة، وقام لكي يُقيم المؤمنين أعضاء في مملكته السماويّة
Source: St. Takla - Fr. Tadros Malaty



تفسير إنجيل مرقس - المقدمة
  • القديس مار مرقس نشأته
  • القديس مار مرقس والأسد
  • كرازته
  • مقدمة في الإنجيل بحسب مرقس
  • تاريخ ومكان كتابته
  • إنجيل مرقس وبطرس الرسول
  • سماته
  • أقسامه ومحتوياته

في دراستنا لإنجيل معلمنا متى البشير نتذوق بشارة ربنا يسوع المسيح المفرحة التي سبق فأعد لها الله بواسطة أنبيائه القديسين حتى نتقبلها كدخول إلى ملكوته الأبدي، والآن في إنجيل معلمنا مرقس البشير نتمتع بذات البشارة المفرحة من جانب آخر، إذ نرى ربنا يسوع المسيح العامل لحسابنا، خلال خدمته العملية، خاصة قبوله الآلام والصلب أكثر من كلماته وعظاته.

كُتب هذا السفر للرومان المعتزين بالذراع البشري والسلطة الزمنيّة مع العنف وحب التسلط، لذلك جاء هذا السفر يبرز شخص السيد المسيح كصاحب سلطان حقيقي خلال تواضعه وحبه بالآلام والصلب. وكأن روح الله يود أن يسحبنا لكي نسلك بروح ملكنا، فنحمل روح القوة والعمل بالحب والبذل.

هذا وأود أن أشير أننا في تفسير هذا السفر، إذ نلتقي بأحداث تمس حياة السيد المسيح وأعماله سبق الحديث عنها في تفسير "الإنجيل بحسب متى" مستشهدًا بأقوال الكثير من الآباء وددت عدم التكرار، مشيرًا إلى الرجوع إلى التفسير السابق متى اقتضى الأمر، مع عرض مفاهيم جديدة في هذا الكتاب ما استطعت.

القديس مار مرقس نشأته
وُلد القديس مرقس في القيروان إحدى المدن الخمس الغربية بليبيا، في بلدة تُدعى ابرياتولس، من أبوين يهوديين من سبط لاوي، اسم والده أرسطوبولس، ووالدته مريم، سيدة تقيّة لها اعتبارها بين المسيحيّين الأولين في أورشليم
  • حمل مار مرقس اسمين (أع 12: 12، 25، 15: 37): يوحنا وهو اسم عبري يعني "يهوه حنان"، ومرقس اسم روماني يعني "مطرقة"

  • كان القديس مرقس يمت بصلة قرابة لبرنابا الرسول بكونه ابن أخته (كو 4: 10)، أو ابن عمه، كما كان والده ابن عم زوجة القديس بطرس الرسول أو ابن عمتها

  • تعلم اليونانيّة واللاتينيّة والعبريّة وأتقنها

  • إذهجمت بعض القبائل المتبربرة على أملاكهم تركوا القيروان وذهبوا إلى فلسطين، حيث تمتع مع والدته بالسيد المسيح، فقد كانت أمه مريم من النساء اللواتي خدمن السيد من أموالهن. فتحت بيتها ليأكل الفصح مع تلاميذه في العُليّة، وهناك غسل أقدام التلاميذ، وسلمهم سرّ الإفخارستيا، فصارت أول كنيسة مسيحيّة في العالم دشنها السيد بنفسه بحلوله فيها وممارسته سرّ الإفخارستيا. وفي نفس العُلية حلّ الروح القدس على التلاميذ (أع 2: 1-4)، وفيها كانوا يجتمعون.

  • كان القديس مرقس أحد السبعين رسولًا الذين اختارهم السيد للخدمة(4)، وقد شهد بذلك العلامة أوريجينوس(5) والقديس أبيفانيوس

  • كان القديس مرقس حاضرًا مع السيد في عرس قانا الجليل، وهو الشاب الذي كان حاملًا الجرة عندما التقى به التلميذان ليُعدا الفصح للسيد (مر 14: 13-14؛ لو 22: 11). وهو أيضًا الشاب الذي ترك إزاره وهرب عاريًا عند القبض على السيد(7) (مر 14: 52)

القديس مار مرقس والأسد


يُرمز للقديس مار مرقس بالأسد، لذلك نجد أهل البندقيّة وهم يستشفعون به جعلوا الأسد رمزًا لهم، وأقاموا أسدًا مجنحًا في ساحة مار مرقس بمدينتهم. ويعلل البعض هذا الرمز للأمور الآتية:

أولًا: قيل أن القديس مرقس اجتذب والده أرسطوبولس للإيمان المسيحي خلال سيرهما معًا في الطريق إلى الأردن حيث فاجأهما أسد ولبوة، فطلب الأب من ابنه أن يهرب بينما يتقدم هو فينشغل به الوحشان، لكن الابن طمأن الأب وصلى إلى السيد المسيح فانشق الوحشان وماتا، فآمن الأب بالسيد المسيح.

ثانيًا: بدأ القديس مرقس إنجيله بقوله: "صوت صارخ في البرية"، وكأنه صوت أسد يدوي في البريّة كملك الحيوانات يهيئ الطريق لمجيء الملك الحقيقي ربنا يسوع المسيح. هذا وإذ جاء الإنجيل يُعلن سلطان السيد المسيح لذلك لاق أن يُرمز له بالأسد،إذقيل عن السيد أنه "الأسد الخارج من سبط يهوذا" (رؤ 5: 5).

ثالثًا: يرى القديس أمبروسيوس أن مار مرقس بدأ إنجيله بإعلان سلطان لاهوت السيد المسيح الخادم "بدء إنجيل يسوع المسيح ابن الله" (مر 1: 1)، لذلك بحق يرمز له بالأسد


كرازته


بدأ الرسول خدمته مع معلمنا بطرس الرسول في أورشليم واليهوديّة
  • انطلق مع الرسولين بولس وبرنابا في الرحلة التبشيريّة الأولى، وكرز معهما في أنطاكية، لكنه على ما يظن أُصيب بمرض في برجة بمفيليّة فاضطر أن يعود إلى أورشليم

  • إذبدأ الرسول بولس رحلته التبشيريّة الثانية أصر برنابا الرسول أن يأخذ مرقس، أما بولس الرسول فرفض، حتى فارق أحدهما الآخر، فانطلق بولس ومعه سيلا، أما برنابا فأخذ مرقس وكرزا في قبرص (أع 13: 4-5)، وقد ذهب إلى قبرص مرة ثانية بعد مجمع أورشليم (أع 15: 39)

  • اختفت شخصيّة القديس مرقس في سفر الأعمال، إذ سافر إلى مصر وأسس كنيسة الإسكندرية بعد أن ذهب أولًا إلى موطن ميلاده "المدن الخمس" بليبيا، ومن هناك انطلق إلى الواحات ثم صعيد مصر ودخل الإسكندرية عام 61 م. من بابها الشرقي. يروي لنا التاريخ قصة قبول إنيانوس الإيمان المسيحي كأول مصري بالإسكندرية يقبل المسيحيّة. فقد تهرأ حذاء مار مرقس، وإذ ذهب به إلى الإسكافي إنيانوس ليصلحه دخل المخراز في يده فصرخ: "يا الله الواحد"، فشفاه مار مرقس باسم السيد المسيح وبدأ يحدثه عن الإله الواحد، فآمن هو وأهل بيته. وإذ انتشر الإيمان سريعًا بالإسكندرية رسم إنيانوس أسقفًا ومعه ثلاثة كهنة وسبعة شمامسة. هاج الشعب الوثني فاضطر القديس مرقس أن يترك الإسكندرية ليذهب إلى برقة (بليبيا) ومنها إلى روما، حيث التقى بالقديسين بطرس وبولس وبقي معهما حتى استشهادهما عام 64 م

    عاد إلى الإسكندرية عام 65 م. ليجد الإيمان المسيحي قد ازدهر، فقرر أن يزور المدن الخمس، وعاد ثانية إلى الإسكندرية ليستشهد هناك في منطقة بوكاليا

  • تعتقد لبنان أن القديس كرز بها، هذا وقد كرز أيضًا بكولوسي (كو 4: 10)، وقد اتخذته البندقيّة شفيعًا لها، واكويلًا من أعمال البندقيّة. نختم حديثنا عن كرازته بكلمات الرسول بولس وهو يواجه لحظات الاستشهاد: "خذ مرقس واحضره معك لأنه نافع لي للخدمة" (2 تي 4: 11)

مقدمة في الإنجيل بحسب مرقس


أجمع الدارسون على أن إنجيل مار مرقس هو أقدم ما كُتِبَ في الأناجيل، بل وحسبه كثير من الدارسين المصدر الرئيسي الذي استقى منه الإنجيليان متى ولوقا في كتابتهما إنجيليهما

تاريخ ومكان كتابته

يرى القديس إيريناؤس أنه كُتب بعد استشهاد القديسين بطرس وبولس. وقد اتجه غالبيّة الدارسين إلى القول بأنه كتب ما بين عام 65 م. وعام 70 م.(9)

يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أنه كُتِبَ في مصر(10)، بينما نادى البعض بأنه كُتِبَ في روما

إنجيل مرقس وبطرس الرسول

حاول بعض الدارسين أن ينسبوا إنجيل مرقس إلى بطرس الرسول، متطلعين إلى القديس مرقس ككاتب أو مترجم للقديس بطرس قريبه، وأن هذا الإنجيل ليس إلاَّ مذكرات للرسول بطرس أو عظات سمعها مار مرقس عنه أثناء إقامته معه في روما، سجلها بعد استشهاد القديسين بطرس وبولس

هذا الرأي ترفضه الكنيسة القبطيّة تمامًا، وقد قام قداسة البابا شنودة الثالث بتفنيده في دراسته التي قدمها عن "القديس مرقس الرسول" بمناسبة مرور 16 قرنًا على استشهاده، لذلك رأيت هنا الاكتفاء بإبراز العناصر الرئيسيّة تاركًا للقارئ أن يرجع لكتاب قداسة البابا

أولًا: اعتمد هذا الرأي على قول للقديس بابياس عن القديس مرقس وقد ذكر عنه أنه لم يسمع الرب ولا عاينه، إنما تبع الرسول بطرس الذي آمن على يديه. وإن كان قد نقل بعض الآباء هذا الفكر عن بابياس، لكنه رأي خاطئ، فقد شهد كثير من الآباء كما أكّد دارسو التاريخ الكنسي أن مار مرقس عاين الرب وتبعه

ثانيًا: لم يكن مار مرقس كاتبًا ولا مترجمًا لبطرس الرسول في خدمته في روما كما ادَّعَى البعض، بل إن بطرس الرسول لم يكرز في روما وإنما بولس الرسول هو الذي كرز بها كما يظهر من رسالته إلى روما معلنًا اشتياقه للعمل بينهم (رو 1: 10-11) وفي نفس الرسالة يؤكد أنه لا يبني حيث وضع آخر أساسًا (رو 15: 20)... وكأن بولس وهو كارز للأمم -بينما بطرس كارز لأهل الختان- أراد أن يكون له هذا العمل في روما

ثالثًا: لو أن مار مرقس سجّل مذكرات بطرس أو عظاته بعد استشهاده لما كان هناك دافع لإخفاء هذه الحقيقة، وكان يجب أن يشير القديس مرقس إلى ذلك، على الأقل من قبيل أمانته وتواضعه

رابعًا: علل البعض أنها مذكرات بطرس بحجة أنها تحوي ضعفات بطرس وتغفل ما يمجده، وأن بطرس الرسول فعل هذا من قبيل تواضعه. ويُرد ذلك بالآتي:
  • أن كاتبي الأسفار فوق المستوى الشخصي عند كتابتهم للأسفار، لذلك نجد موسى النبي يسجل بيده: "وأما الرجل موسى فكان حليمًا جدًا أكثر من جميع الناس الذين على وجه الأرض" (عد 12: 3). وقد ذكر في أسفاره المعجزات التي صنعها الله على يديه، وظهور الله له، وأحاديثه معه، وقبول الله شفاعته، ومديح الله له، ولم يمنعه تواضعه من ذكر هذه الأمور. وفي نفس الوقت ذكر أيضًا ضعفاته كيف كان ثقيل الفم واللسان (خر 4: 10)، وذكر خطيّته ومنع الله له من دخول أرض الموعد... إنهم كتبوا "مسوقين من الروح القدس" (2 بط 1: 21)

    وفي العهد الجديد نجد القديس يوحنا الحبيب لم يغفل وقوفه عند الصليب، ومخاطبة الرب له، وتسليمه أمه له (يو 19: 25-27)، ملقبًا نفسه "التلميذ الذي يسوع يحبه"، والذي "يتكئ في حضن يسوع" (يو 13: 3، 25).

  • لم يغفل مار مرقس الرسول مديحه لبطرس الرسول، فذكر دعوة الرب له كأول دعوة (مر 1: 16-20)، ووضع اسمه في مقدمة أسماء الرسل (مر 3: 16)، وذكر أن الرب دخل بيته وشفي حماته كأول معجزة ذكرها مار مرقس للرب (مر 1: 29-31)... وذكر قول بطرس الرسول: "ها قد تركنا كل شيء وتبعناك" (مر 10: 28)، وذكره في مناسبات كثيرة مع يعقوب ويوحنا (مر 5: 37، 9: 2-8، 14: 32).
خامسًا: علل بعض الدارسين أنها مذكرات بطرس لما حملته من شواهد داخليّة أن الكاتب شاهد عيان لكثير من الأحداث، فإن عرفنا القديس مار مرقس أحد السبعين رسولًا الذين اختارهم الرب ومركز والدته بين تابعي المسيح لأدركنا أن كثيرًا من الأحداث عرفها الرسول بنفسه أو خلال التلاميذ والرسل أو والدته أو من كانوا محيطين بالسيد.

سماته

أولًا: عرف المسيحيون الأُوَل كلمة "إنجيل" بمعنى "أخبار مفرحة للعالم"، وقد سبق لنا الحديث عن كلمة "إنجيل" في دراستنا للإنجيل حسب معلمنا متى البشير، أما القديس مرقس فكما يرى غالبيّة الدارسين هو أول من استخدم هذا التعبير ليقصد به السفر نفسه الذي يعرض حياة السيد المسيح كأخبار مفرحة للعالم . ويبدو أن هذه الكلمة كانت محببة جدًا لنفس هذا القديس، فنجده يضعها عنوانًا للسفر بقوله: "بدء إنجيل يسوع المسيح ابن الله" (مر 1: 1). كما كرَّر التعبير في أكثر من موضع، فحين تحدث عن حمل الصليب ذكر قول السيد: "مَنْ يهلك نفسه من أجلي ومن أجل الإنجيل فهو يخلصها" (مر 8: 35)، بينما لم يذكر الإنجيليان متى ولوقا تعبير "الإنجيل" في نفس الموضع (مت 16: 25؛ لو 9: 24). وأيضًا حين أورد حديث السيد المسيح عن الترك، قال: "ليس أحد ترك بيتًا أو إخوة أو أخوات أو أبًا أو أمًا أو امرأة أو أولادًا أو حقولًا لأجلي ولأجل الإنجيل إلاَّ ويأخذ مائة ضعف الآن في هذا الزمان... وفي الدهر الآتي الحياة الأبدية" (مر 10: 29)، وأيضًا لم يذكر متى الإنجيلي تعبير "إنجيل" في نفس الموضع (مت 19: 29)

كثيرًا ما كرر كلمة "إنجيل (بشارة)" (مر 1: 14-15، 14: 9)، فإذ كرز بين الأمم الوثنيين والفلاسفة خاصة في مدينة الإسكندرية كان لهذه الكلمة طعمًا خاصًا لديه، فقد شعر بالفرح الحقيقي الذي انفتح بابه على الأمم بمجيء السيد المسيح وتقديمه ذبيحة الصليب كسّر مصالحة الأمم والشعوب مع الله

ثانيًا: إذ كتب القديس مرقس إنجيله للرومان نجده يتبع الآتي:
  • يترجم الكلمات الآرامية التي لا يفهمها الرومان مثل "بوانرجس" (مر 3: 17)، "طليثا" (مر 5: 14)، "قربان" (مر 7: 14)، "إفثا" (مر 7: 34)، "إلوي، إلوي، لما شبقتني" (مر 15: 34)، "جلجثة" (مر 15: 21)... فلو أنه كان يكتب لليهود لما كانت هناك حاجة لشرح معنى هذه الكلمات، إذ هي معروفة ودارجة عندهم

  • يشرح العادات اليهوديّة وأماكنهم وطوائفهم، الأمور التي يعرفها اليهود دون الرومان، فيوضح مفهوم النجاسة عند الفريسيّين واهتمامهم بالغسالات الخارجيّة (مر 7: 2-4)، وعادة ذبح الفصح في اليوم الأول من الفطير (مر 14: 12)، ومعنى كلمة "الاستعداد" (مر 15: 42)، وإنكار الصدوقيّين للقيامة (مر 12: 18). كما يسبق كلمة "الأردن" بكلمة "نهر" (مر 1: 5)، ويوضح أن جبل الزيتون هو تجاه الهيكل (مر 13: 3)، وأن بيت فاجي وبيت عنيا قريبتان من أورشليم (مر 11: 1).

  • إذ كتب البشير متى لليهود اقتبس الكثير من العهد القديم، أما البشير مرقس فلم يقتبس الكثير إذ هو يكتب للأمم.

  • لم يكتب القديس مرقس لليهود كرجال متدينين ولا لليونان كرجال فلسفة وفكر، وإنما للرومان وهم رجال عمل، لذلك جاء السفر صغيرًا في حجمه بلا مقدمات، اهتم بإبراز السيد المسيح في أعماله المستمرة أكثر منه في عظاته أو خطاباته.

  • آمن الرومان بالقوة والسلطة كأصحاب سيادة في العالم في ذلك الحين، لذلك حدثهم الإنجيلي مرقس عن السيد المسيح كصاحب سلطان حقيقي، وقد ظهر هذا الخط واضحًا في السفر كله من بدايته حتى نهايته، فيظهر سلطانه على الشياطين (مر 1: 27) وعلى الأمراض (مر 1: 42) وعلى الطبيعة (مر 4: 39-41) وعلى النباتات (مر 11: 12-20) (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات والتفاسير الأخرى). له سلطان في الهيكل (مر 11: 33)، وأيضًا على السبت كرب السبت (مر 2: 28). بسلطانه الحق يعرف أسرار الأفكار (مر 2: 8) ويعلن عن أسرار المستقبل (مر 13)، قادر بسلطانه أن يشبع الجماهير (مر 6: 33-44، 8: 1-9)

    آمن الرومان بالسيادة خلال العنف والكبرياء مع الاغتصاب، أما الإنجيلي فيعلن سلطان السيد المسيح خلال التواضع وخدمة الآخرين (مر 9: 33، 10: 35، 45)، وقد جاءت فكرة الألم والصليب تسود السفر كله، فقد استوعبت آلام السيد حوالي ثلث السفر، وإن كان السفر ككل هو تهيئة للنفس لقبول المسيح الملك خلال الألم! 6. قدم الإنجيلي مرقس هيرودس كعينه لملوكهم الذين يجتمع حولهم المتملقون للهو والرقص مع اتسامه بالعنف والقتل ظلمًا، بينما يقدم السيد المسيح الذي يملك ببشارة الملكوت، يجتذب النفس ويرويها فتبهر به. لذلك كثيرًا ما يُعلن الإنجيلي عن التفاف الجماهير حول السيد (مر 1: 28، 33، 45؛ 2: 1-2؛ 3: 7-9؛ 4: 1-2؛ 6: 32-34؛ 7: 24؛ 9: 15؛ 5: 24). الكل يجري إليه حتى إن انفرد في موضع خلاء (مر 6: 32-34) أو أراد أن يختفي في بيت (مر 7: 24). ما أكثر المواضع التي أعلن فيها الإنجيلي أن الجماهير قد بُهتت إلى الغاية (مر 1: 22، 27؛ 4: 41؛ 6: 51؛ 10: 24-26). إنه لا يفرض نفسه على الغير إنما يجتذب بحبه وتواضعه قلوب الكثيرين.

  • ربما ركز الإنجيلي على إبراز الصراع بين السيد المسيح واليهود بطوائفهم ليشجع الرومان على قبول ذاك الذي رفضه اليهود، خاصة وأن السيد المسيح لم يقف ضعيفًا أمام مقاوميه من اليهود، بل كان يفحمهم. وحين صلبوه لم يفعلوا هذا عن ضعف من جانبه، إذ سبق فأعلن لتلاميذه عن صلبه، مؤكدًا ذلك ثلاث مرات (مر 8: 31؛ 9: 31؛ 10: 33-34)، موضحًا أنه يقوم من الأموات ويأتي بمجد أبيه مع الملائكة القديسين (مر 8: 38)، ويأتي على سحاب السماء (مر 14: 62). ومن جانب آخر أوضح اتجاه السيد نحو الأمم (مر 7: 24-30، 11: 17، 13: 10، 16: 15). وقد جاءت الوصيّة الأخيرة: "اذهبوا إلى العالم أجمع واكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها" (مر 16: 15).

  • إذ وجه القديس مرقس إنجيله للرومان كشف عن جامعية رسالة الإنجيل لتضم الأمم أيضًا، لذلك كثيرًا ما يستخدم التعبيرين "كل"، "جميع" (مر 1: 5، 28، 33، 39؛ 2: 13؛ 4: 1؛ 6: 33، 39، 41، 55؛ 13: 10). أخيرًا نردد ما قاله أحد الدارسين: "يظهر مرقس كلاهوتي خلاّق عاش وسط جماعة مسيحيّة من أصل أممي، لكنها لم تكن معتزلة عن اليهوديّة تمامًا، لها ثقافتها الخاصة النامية".


  • ثالثًا: إن كانت كلمة "إنجيل" محببة للغاية لدى القديس مرقس الإنجيلي، فإن الإيمان هو طريق التمتع بالإنجيل. وقد أبرز السفر بقوة كيف أن الإيمان هو طريق التمتع بالبركات الزمنيّة والروحيّة، وأن عدم إيمان الشعب حجب عنهم عمل السيد المسيح (مر 6: 1-6). ويرى بعض الدارسين أن السيد المسيح يظهر في هذا السفر كمن كرس حياته لإيقاظ إيمان الناس

    رابعًا: السفر الذي بين أيدينا هو "إنجيل المسيح المتألم" يهيئ النفس لقبول إنجيل المسيح المتألم، لذلك احتلت أقوال السيد المسيح عن الألم مركزًا أساسيًا. فقد تحدث السيد عن آلامه بوضوح وفي صراحة في ثلاثة مواضع
    • في قيصريّة فيلبس (مر 8: 31)
    • في تحركه نحو الجليل (مر 9: 31)
    • في طريقه إلى المدينة المقدسة (مر 10: 33-34)
    قوبل السيد المسيح في كل مرة، إما بالانتهار كما من سمعان بطرس، أو بالخوف وعدم الفهم من جانب التلاميذ، فقد كان سرّ الصليب غير مدرك بعد، بالرغم من أن السيد مهّد له مبكرًا في أكثر من موضع (مر راجع 2: 20؛ 3: 6؛ 6: 1-6؛ 6: 14-29)

    ويلاحظ أن إعلانات السيد المسيح عن الآلام ضمنت ثلاثة عناصر:
    • دعوته نفسه أنه "ابن الإنسان" (مر 8: 31، 9: 31، 10: 45). فإن كان الإنجيلي قد افتتح السفر بإعلان أن السيد المسيح هو "ابن الله" (مر 1: 1)، فقد صار ابن الله ابن الإنسان ليُسلم نفسه في أيديّ بني الناس حتى تتحقق فيه إرادة أبيه (صلبه).

    • تأكيد أنه يُقتل (مر 8: 31؛ 9: 31؛ 10: 34)، فقد جاء إلى العالم متجسدًا لهذه الغاية... تسليم نفسه ذبيحة، إذ هو الطريق الوحيد لإعلان محبته الخلاصيّة

    • تأكيد أنه بعد 3 أيام يقوم، فإنه لا يموت عن ضعف بل ليقيمنا معه في دراستنا لصُلب السفر سيظهر بمشيئة الله الألم واضحًا للغاية عبر السفر كله، فإن تحدث عن مثل الكرم والكرامين أبرز أن الكرامين يضمرون قتل الوارث (مر 12: 7)، كما يعلن السيد عن نفسه أنه حجر الزاوية المرفوض (مر 12: 10)، وإن قدمت امرأة قارورة طيب ناردين تسكبه على رأسه إنما ليُعلن السيد: "قد سبقت ودهنت بالطيب جسدي للتكفين" (مر 14: 8) إلخ
    رأى بعض الدارسين السفر كله يدور حول آلام السيد المسيح وتذوقه مرارة الموت، فعلق أحدهم، قائلًا: "الإنجيل في كُليته هو شرح كيف جُرب يسوع"، وقال آخر أنه في مجمله عرض لآلام المسيح، إما خلال تجارب مباشرة من الشيطان أو خلال مصادر بشريّة

    هذه السمة دفعت البعض للاعتقاد بأن القديس مرقس كتب السفر لجماعة مسيحيّة متألمة، تقع تحت نير الاضطهاد، فقد هدف به إلى الكشف عن التزامها بممارسة شركة الآلام مع مسيحها المتألم والذي يدعو تلاميذه لقبول الآلام. لقب البعض هذا السفر "إنجيل الشهيد"، أي الإنجيل الذي وُضع لمساندة المسيحي وهو يواجه الاستشهاد وتشجيعه على ذلك. حقًا إنه لم يشرح فلسفة الألم، لا في حياة السيد المسيح، ولا في حياة تلاميذه كما في رسائل معلمنا بولس الرسول، لكنه أكَّد الالتزام بقبول الألم حسب المقاصد الإلهيّة

    خامسًا: إن كان معلمنا مرقس في إنجيله يكشف عن شخص ربنا يسوع بكونه العامل بلا انقطاع لحسابنا، فيورد 16 قصة عن معجزاته بخلاف تأكيده أنه شفي كثيرين وأخرج شياطين كثيرة (مر 1: 34-39؛ 3: 10-11) لكن السفر في كُليته جاء يعلن ما قاله السيد: "لماذا يطلب هذا الجيل آية؟ الحق أقول لكم لن يُعطى هذا الجيل آية" (مر 8: 12)

    يميز البعض بين عمل المعجزات سواء خلال الأشْفِية وإخراج الشياطين وبين تقديم آية أو علامة من السماء. فالمعجزات قدمها السيد من قبيل حبه وترفقه إذ رأى شعبه في حاجة لمن يسندهم، فما قدمه السيد إنما هو حنانه، وقد أبرز القديس مرقس الإنجيلي مشاعر السيد المسيح نحو شعبه، إذ كثيرًا ما يقول "تحنن عليهم" أو احتضن الأولاد إلخ. أما الآية التي كان الفريسيون يطلبونها وأيضًا هيرودس حين وقف أمامه إنما يقصد بها تحقيق عمل خارق بقصد الاستعراض، الأمر الذي رفضه السيد المسيح تمامًا، إذ يلاحظ في هذا السفر الآتي:
    • تبع رفضه عمل آية حديثه مع تلاميذه أن يتحرزوا من خمير الفريسيّين وخمير هيرودس (مر 8: 15)، ففكروا قائلين بعضهم لبعض: ليس عندنا خبز، مع أن الإنجيلي يقول "لم يكن معهم في السفينة إلاَّ رغيف واحد" (مر 8: 14). وكأن الآية كانت بين أيديهم ولم يدركوها، إذ كان السيد المسيح هو "الرغيف الواحد" المكسور لأجلهم وهم لا يعلمون. لذا وبخهم السيد على عدم فهمهم (مر 8: 17-21). فالآية الحقيقيّة غير المنظورة هي "العمل الإفخارستي" أو الخبز المكسور الذي قدمه لهم

    • يرى بعض الدارسين أن السيد رفض تقديم آية من السماء، إذ يريد أن يركز أنظارهم عليه، فيقول أحدهم: "يسوع نفسه هو الآية الوحيدة للإنجيل... يليق بنا ألا نطلب معجزة أو آية منفصلة عن يسوع نفسه". لعل هذا الفكر جاء مستندًا على قول النبي: "ولكن يعطيكم السيد نفسه آية: ها العذراء تحبل وتلد ابنا وتدعو اسمه عمانوئيل" (إش 7: 14). هذه الآية التي اشتهى أن يتمتع بها الأنبياء: الالتقاء مع كلمة الله المتجسد ربنا يسوع!

    • رفض تقديم آية استعراضية، إذ جاء يطلب "الإيمان"، وكما رأينا أن إنجيل مار مرقس يدور حول الإيمان الذي يقوم على الثقة في المسيح القادر أن يشبع احتياجاتنا الداخليّة، لا الإيمان القائم على علامات وآيات منظورة. وإن كانت الجموع التي تعجب به وتُبهر منه (مر 6: 2)، سرعان ما تقاومه قائلين: "من أين لهذا هذه؟ وما هذه الحكمة التي أُعطيت له حتى تجري على يديه قوات مثل هذه؟ أليس هذا هو النجار ابن مريم...؟" (مر 6: 2-3). فالإيمان إذن لا يقوم على مجرد أن يُبهر الإنسان بآية أو معجزة، وإنما يقوم على اتكاء صادق على صدر الرب المشبع للنفس.

    • طلب رؤساء الكهنة مع الكتبة آية في لحظات الصلب، قائلين: "لينزل الآن المسيح ملك إسرائيل عن الصليب لنرى ونؤمن" (مر 15: 32) طلبوا آية منظورة أن ينزل عن الصليب، خلالها يؤمنون به، ولم يدركوا أنه لو فعل ذلك لبهرهم كما لو كان إنسانًا فائقًا للطبيعة "سوبرمان" ولكن ما كان يحقق عمله بكونه المسيح ملك اليهود روحيًا! رفض السيد أن يتمم آية منظورة بنزوله عن الصليب، فإذا به يجتذب خلال مجد الصليب قلب اللص اليمين وأيضًا قائد المائة ويشق حجاب الهيكل. أضاء مجد الصليب، لا ليبهر الناس، إنما ليجتذب ملايين النفوس إلى الإيمان، وكأن الصليب قد صار الإعلان الحقيقي والعلامة أو الآية التي تمت لا بنزوله عنه، وإنما بإعلان حبه وتواضعه وبذله حتى الموت ليقيمنا من موتنا. ما فعله هنا رؤساء الكهنة والكتبة، إنما هو امتداد لحديث عدو الخير مع السيد المسيح الذي طلب منه أن يلقي بنفسه من جناح الهيكل ليبهر الجماهير فتؤمن به. لكن طريق السيد المسيح هو طريق الصليب لا إبهار الناس بعلامات فائقة!

    • حقًا قبيل صلبه قدَّم لتلاميذه آية هي تجليه أمامهم، لكنه حتى في هذا العمل لم يهدف نحو تقديم آية باهرة وإنما كشف حقائق إيمانيّة تمس حياتهم معه، فلو أراد إبهار الناس لحقق التجلي، لا أمام ثلاثة من تلاميذه أو حتى جميع تلاميذه ورسله، وإنما بالحري كان يتجلى أمام الجماهير غير المحصيّة ليبهرهم بمجده. بمعنى آخر ما قدمه في التجلي ليس آية ليبهر الناظرين إنما عطيّة وإعلان إلهي وكشف. أمور تُقَدَّم لمن يلتقي معه في حياة سريّة خفيّة داخليّة، ينعم بها ليمارس الحياة السماويّة الفائقة. في كلمات أخرى لم يقدم التجلي لينال السيد دهشة الغير وإعجابهم، وإنما ليسحب قلوبهم إلى حياة الشركة مع الآب في ابنه بالروح القدس كحياة عمليّة وخبرة صادقة. وحين التقت المرأة نازفة الدم بالسيد تمتعت بقوة خرجت منه (مر 5: 30)، لا خلال علامة أو آية ظاهرة تمتعت بها، وإنما خلال إيمانها بالقادر أن يشفي. 6. أخيرًا إن كان السيد قد رفض تقديم آية من السماء أو علامة يؤكد بها شخصه، فإن أضداد المسيح والأنبياء الكذبة على العكس يقدمون الآيات ليخدعوا إن أمكن حتى المختارين (مر 13: 21-23).
    سادسًا: استدعى نظر بعض الدارسين أن الإنجيلي مرقس عبَّر عن اعتقاده بأن السيد المسيح قد أراد أن تبقى طبيعته بكونه المسيح ابن الله سرًا لا يود إعلانها حتى قيامته. فقد جاء تحليلW. Wrede(20) لإنجيل مرقس يرتكز على أربعة أمور رئيسيّة هي أن السيد رفض الإفصاح عن سره أنه المسيح مدة خدمته على الأرض، وإنه أعلن هذا السرّ لتلاميذه دون الجماهير. مع ذلك حتى التلاميذ لم يستطيعوا إدراكه، وأن الشياطين قد عرفته، لكنه كان ينتهرها، ولم يدعها تشهد له، وأن أعمال الشفاء التي صنعها كانت تعلن عن هذا السرّ، لهذا كثيرًا ما كان يطلب من المتمتعين بالشفاء ألاَّ يُعلنوا ذلك

    رأى دارس آخر إن عقيدة الإنجيلي مرقس بخصوص سريّة طبيعة السيد المسيح وإخفاء السيد لها تظهر من العلامات التالية:
    • إذ عرفته الشياطين منعها من الإخبار عنه (مر 1: 25، 34؛ 3: 12)

    • كان السيد المسيح يتجنب الإعلان عن معجزاته وأشفيته (مر 1: 44؛ 5: 43؛ 7: 36؛ 8: 26) إلاَّ في حالة واحدة إذ كان المتمتع بالشفاء غالبًا أمميًا أو يسكن بين الأمم (مر 5: 19-20)

    • يميل السيد في الغالب إلى الانسحاب من الجماهير (مر 1: 35؛ 3: 7؛ 4: 35؛ 6: 31؛ 7: 24؛ 8: 27؛ 9: 30) د. رفضه تقديم آية لذلك الجيل (مر 8: 21)

    • في أكثر من مرة كان يقدم تعليمًا خاصًا لتلاميذه على انفراد (مر 4: 33-34؛ 7: 17-23؛ 9: 28-31)، أما أمثاله التي يقدمها للجماهير، فكانت تحمل معانٍ سريّة غير مدركة (مر 4: 10-13). و. عدم إدراك الجماهير لأمثاله سره قسوة قلب الشعب اليهودي أو على الأقل قسوة قلب قادتهم (مر 3: 5؛ 7: 6-7). ز. رفض السيد المسيح الإعلان عن طبيعته حتى يقوم ابن الإنسان من الأموات (مر 8: 30؛ 9: 9)
    ولعل سرّ إخفائه لطبيعته يقوم على أساس روحي، وهو أن السيد المسيح صاحب السلطان الحقيقي لا يطلب أمجادًا زمنيّة، بل سلك في تواضع، حتى متى قام يكشف عن طبيعته، لا ليتمجد ظاهريًا، وإنما لكي يمجد الذين يؤمنون به، ويتمتعون بقوة قيامته أو بحياته المقامة عاملة فيهم. ومن جانب آخر، لعل إخفاءه الأمر كان لكي تتم مقاصده الإلهيّة من جهة صلبه، إذ يقول الرسول بولس عن اليهود أنهم لو عرفوا لما صلبوا رب المجد (1 كو2: 8)

    سابعًا: إن كان هذا السفر قد أبرز شخص السيد المسيح كخادم البشريّة فقد جاء كمعلم لا بالعظات والوصايا فحسب وإنما بالحب العملي والحنان الإلهي في قوة وسلطان، يجتذب النفوس إليه. وردت كلمة "يُعَلِّم" باليونانيّة "ديدسقلون" في هذا السفر أكثر من أي سفر آخر في العهد الجديد(22)،إذتكرر هذا الفعل 15 مرة، كما دُعي السيد المسيح معلمًا 12 مرة، ليس فقط من السيد نفسه (مر 14: 14) ومن تلاميذه وجموع الشعب، وإنما حتى من المقاومين له كالفريسيّين والهيرودسيّين والصدوقيّين والكتبة. قدَّمه لنا هذا السفر معلمًا يتحرك في كل اتجاه تارة يعلم في المجمع والهيكل (مر 1: 21؛ 6: 2؛ 11: 7؛ 12: 35؛ 14: 39)، وثانية نحو الجموع (مر 2: 13-14؛ 6: 34؛ 10: 1)، وثالثة نحو تلاميذه (مر 6: 30). في تعليمه لم يستخدم النظام الخاص بالحاخامات، فيتبعه تلاميذه كحاخام أو رباني جديد يسمعون له، وإنما يعيشون معه ويصاحبونه في شركة عمليّة

    أما موضوع تعليمه الرئيسي فهو ليس مجموعة من التعاليم والوصايا بقدر ما هي تقديم نفسه ليقبلونه(23)، وان كانوا لم يتعرفوا عليه حقًا إلاَّ بعد قيامته. لقد قدم نفسه كمتألمٍ، وحثَّهم على الشركة معه في آلامه (مر 8: 34؛ 9: 31؛ 10: 32 إلخ.). هذا هو موضوع تعليمه لهم، وهو المكافأة، يقبلونه في حياتهم بصليبه وآلامه

    أخيرًا فإنه كمعلمٍ جاء فريدًا في سلطانه، فإن كان اليهود كما الأمم قد اعتقدوا أن صراعًا مرًا يقوم بين الخالق وقوى الشر الخفيّة الفائقة، جاء السيد يطرد بسلطان الأرواح الشريرة، مطهرًا الخليقة التي استخدمها عدو الخير مراكز عمل له. لقد غلب قوى الشر الخفيّة، وطردها من خليقته، أما غلبته على القيادات اليهوديّة المقاومة وإفحامهم، إنما لكونها وكالات عمل لحساب قوى الشر

    بهذا يكون هذا السفر في جوهره ليس عرضًا لحياة المعلم، بل هو إنجيل الغلبة على قوات الشر وخلاص الخليقة من سلطانها خلال التمتع بالمعلم شخصيًا كغالبٍ ومنتصرٍ!

    ثامنًا: إن كان الإنجيل بحسب مرقس قد اتسم بالاختصار الشديد، لكنه في نفس الوقت اتسم بالتدقيق والتوضيح، فيذكر أن متى العشار هو ابن حلفي (مر 2: 14)، وبارتيماوس الأعمى ابن تيماوس (مر 10: 46)، وسمعان القيرواني هو أبو الكسندروس وروفس (مر 5: 21). وعندما يصف معجزة إشباع الجموع يدقق أنهم اتكأوا مئة مئة، خمسين خمسين (مر 6: 39-40). كما دقق في إعلان مشاعر السيد المسيح كمن كان معاينًا لتصرفاته مدركًا أنه محب البشر. يكشف عنه إنه يشاركنا عواطفنا وأحاسيسنا كمن هو قريب منا جدًا، فيقول عنه أن تحنن (مر 1: 2)، وأشفق (مر 8: 2)، وانتهر (مر 1: 43)، ونظر إلى الشاب وأحبه (مر 10: 21)، واحتضن الأولاد (مر 9: 36، 10: 16).

    تاسعًا: كان مغرمًا باستخدام التعبيرين: "للوقت" و"في الحال"، ليضع في نفس القارئ ذات الأثر الذي يشعر هو به. كما استخدم صيغة المضارع في سرد بعض الأحداث ليجعل منها واقعًا يحمل حركة مستمرة.

    عاشرًا: انفرد بذكر معجزتين هما: شفاء الأصم الأعقد (مر 7: 31-37)، وتفتيح عيني أعمى بيت صيدا (مر 8: 22-26)، كما انفرد بذكر مثل الحقل الذي ينمو زرعه دون أن يدري الزارع كيفيّة نموه (مر 4: 26-29).


    أقسامه ومحتوياته

    † بدء الخدمة ص 1: 1 - 13
    † خدمته في الجليل ص 1: 14 - 6: 30
    † انسحابه من الجليل ص 6: 31 - 9: 50
    † خدمته في بيرية ص 10
    † خدمته في أورشليم ص 11 - 13
    † آلام السيد وقيامته ص 14 - 16


    Source: St. Takla - Fr. Tadros Malaty





تفسير إنجيل لوقا - المقدمة


كلمة "لوقا" غالبًا اختصار للكلمة اللاتينية "لوقانوس Lucanus" أو"لوكيوس" وتعني "حامل النور"، أو "المستنير". غير أنه يجب التمييز بين لوقا الإنجيلي ولوكيوس المذكور في (أع 13: 1)، وأيضًا لوكيوس المذكور في (رو 6: 21)
  • هو الوحيد بين كتَّاب العهد الجديد الذي كان أمميًا ولم يكن يهوديًا بل، غالبًا من إنطاكية سوريا؛ قَبِل الإيمان المسيحي دون أن يتهوّد. ويعلّل الدارسون ذلك بأن الرسول بولس حين أشار إليه في رسالته إلى كولوسي (كو 4: 14). لم يضمُّه إلى من هم من أهل الختان (4: 10-11) مثل أرسترخس ومرقس ابن أخت برنابا ويسوع المدعو يسطس

  • رأى البعض أنه كان أحد السبعين رسولًا، بل وأحد التلميذين اللذين ظهر لهما السيد بعد قيامته في طريقهما إلى عمواس (لو 24: 12)، وأن الرسول لم يذكر اسمه بروح التواضع؛ غير أن الرأي الغالب بين الدارسين المحدثين أنه لم يكن من الرسل، بل قَبِل الإيمان على يديّ الرسول بولس، مدلّلين على ذلك أولًا بافتقار السند التاريخي، وثانيًا لأن هذا الفكر يبدو متعارضًا مع مقدمة الإنجيل، إذ يقول الكاتب عن الأمور المختصة بالسيد المسيح: "كما سلّمها إلينا الذين كانوا من البدء معاينين وخدامًا للكلمة" (لو 1: 2)، وكأن الكاتب لم ينظر السيد المسيح بل سجّل ما تسلمه خلال التقليد بتدقيقٍ شديدٍ وتحقق من الذين عاينوا بأنفسهم. ولعلّه لهذا السبب يُعلق أحد الدارسين على هذا الإنجيل بقوله: "إنه عمل وليد إيمان الجماعة، قام على التقليد، وليس عملًا فرديًا"

  • كان القديس لوقا طبيبًا (كو 4: 14)، ورسّامًا، جاء في التقليد أنه رسم أيقونة السيدة العذراء

  • ارتبط القديس لوقا بالقديس بولس رسول الأمم بصداقة قوية، ففي سفر الأعمال أقلع الإنجيلي لوقا مع الرسول بولس من تراوس إلى ساموتراكي ثم إلى نيابوليس، ومن هناك إلى فيلبي (أع 16: 10-39 الرحلة التبشيرية الثانية)

    مرة أخرى في رحلة الرسول بولس التبشيرية الثالثة عند رجوعه تبعه الإنجيلي لوقا من فيلبى إلى أورشليم (أع 20: 5-21: 18). كما نراه مرافقًا له في روما عند الأسر (28: 30). وكان معه في لحظاته الأخيرة، إذ يقول في رسالته الوداعية: "لوقا وحده معي" (2 تي 4: 11)

  • هكذا ارتبط الاثنان معًا، فسجل لنا الإنجيلي لوقا الكثير من عمل الله الكرازي خلال الرسول بولس في سفر الأعمال؛ ودعاه الرسول بولس: "الطبيب الحبيب" (كو 4: 14)، كما دعاه بالعامل معه (فل 24)

  • قيل أنه عاش بتولًا، عمل في أخائية (باليونان)، استشهد في الرابعة والثمانين من عمره وأن الإمبراطور قسطنطينوس الثاني نقل رفاته إلى القسطنطينية عام 357 م.، وفي عام 1177 م. نقلت إلى Padau بإيطاليا

نسبة السفْر إليه

جاءت شهادة الكنيسة في القرون الأولى واضحة أن الكاتب هو لوقا البشير، كاتب سفر الأعمال ورفيق الرسول بولس، كما يظهر من كتابات الآباء يوستين الشهيد وإيريناؤس وأوريجينوس وترتليان
  • بجانب هذه الأدلة الخارجية، السفر نفسه يحمل دلائل على أن كاتبه هو معلمنا لوقا. فمنها أن هذا السفر موجّه إلى "ثيؤفيلس" نفس الشخص الذي وُجّه إليه سفر أعمال الرسل، بل وجاءت مقدمة سفر الأعمال تكمل خاتمة إنجيل لوقا، فالكاتب واحد. والسفران متشابهان في اللغة والأسلوب والأفكار. هذا والتعبيرات الدقيقة التي استخدمها في وصف الأمراض التي شفاها السيد المسيح تدل على أن الكاتب طبيب، فكطبيب احترامًا منه لمهنة الطب لم يقل ما ذكره مرقس الرسول عن نازفة الدم: "قد تألمت كثيرًا من أطباء كثيرين وأنفقت كل ما عندها، ولم تنتفع شيئًا، بل صارت إلى حال أردأ" (مر 5: 26)، إنما اكتفى بالقول: "قد أنفقت كل معيشتها للأطباء، ولم تقدر أن تُشفي من أحد" (لو 8: 43)

تاريخ كتابته

لا يوجد تقليد ثابت بخصوص تاريخ كتابته أو مكان كتابه، فالقديس إيريناؤس يرى أنه كُتب قبل استشهاد القديس بولس، بينما القديس جيروم معتمدًا على المؤرخ يوسابيوس القيصري يراه كتب بعد استشهاد الرسول بولس(11).

لما كان هذا الإنجيل قد كُتب قبل سفر الأعمال، وكُتب الأعمال قبل استشهاد الرسول بولس حتى أنه لم يشر إلى هذا الحدث، لهذا اعتقد كثير من الدرسين أنه كتب ما بين عام 63 و67 م. كتبه غالبًا في روما، وإن كان قد رأى البعض أنه كُتب في أخائية أو في الإسكندرية

غايته

إن كان معلمنا متى البشير كيهودي كتب لليهود ليعلن أن يسوع هو المسّيا الملك، الذي طالما ترقّب الآباء والأنبياء مجيئه، ليكون لهم نصيب في ملكوته الروحي الأبدي، فإن مار مرقس كتب للرومان ليُعلن أن يسوع هذا هو الخادم العامل، لا بروح السلطة الزمنية والتشامخ والعنف، بل بروح البذل، فيخلص بأعمال محبته لا بجيوش وقوات زمنية. أما معلمنا لوقا البشير فكأممي طبيب مثقف أراد أن يخدم أصحاب الفكر الهيليني، فكتب لليونان عن السيد المسيح بكونه "صديق البشرية كلها"، يقدم لها أعماله الإلهية الخلاصية، لتحقيق ما عجزت عنه الفلسفة اليونانية والحكمة البشرية
  • لهذا يُدعى هذا الإنجيل: "إنجيل الصداقة الإلهية" أو "إنجيل المسيح المخلص". كما دُعي بالإنجيل المسكوني بكونه يمثّل دعوة للبشرية كلها لتقبل نداء صديقها السماوي، لتتجاوب مع عمله الخلاصي خلال الحب. هذه الغاية سنراها واضحة خلال حديثنا عن سمات هذا السفر

  • كتب القديس لوقا هذا الإنجيل لصديقه العزيز ثاؤفيلس (1: 3). لقَب "العزيز" وهو لقب شرف، لهذا جاء الرأي الغالب أنه أحد أشراف الإسكندرية، من أصل إنطاكي كلوقا البشير نفسه، فكتب إليه كأممي مثله، لا لينتفع منه وحده، وإنما كما قال العلامة أوريجينوس لينتفع به المنتصرون من الأمم بوجه عام

  • لقد ظن البعض أن لوقا هذا كان عبدًا لسيده ثاؤفيلس الأممي، وإذ عالجه كطبيب وشُفي كافأه بالعتق من العبودية، فبعث إليه الطبيب لوقا هذا الإنجيل علامة امتنانه وشكره. وآخرون قالوا أن كلمة "ثاؤفيلس" وهي تعني "المحب لله" إنما هو اسم استنكاري لأحد أشراف الإسكندرية لم يفصح عنه الإنجيلي حتى لا يتعرض لمتاعب بسبب مسيحيته. على أي الأحوال، فإن هذا السفر موجه للأمم بوجه عام ليتمتعوا بصديقهم السماوي كمخلص لنفوسهم.

سماته

إذ قدّم لنا الإنجيلي السيد المسيح بكونه:
  1. "المخلص صديق البشرية"، كثيرًا ما حدثنا عن "ابن الإنسان" جاء إلينا يحمل إنسانيتنا لكي يهبنا شركة الطبيعة الإلهية. فإن كانت الفلسفات اليونانية قدمت أفكارًا مجردة، لكنها لا تستطيع أن تحتل القلب وتُغير الأعماق، أما ابن الإنسان فجاء صديقًا للإنسان حتى يقبله في داخله، فيهبه خلال هذه الصداقة الفريدة إمكانيات فائقة تعمل في أعماقه وتنعكس على تصرفاته. دعوته للسيد "ابن الإنسان" تحطّم شعورنا بغربتنا عن الله، أو غربته عنّا إذ نزل إلينا ليرافقنا طريقنا.

  2. أهم سمة لهذا الإنجيل إنه إذ يقدم "المخلص الصديق" يقدمه للبشرية كلها، فهو إنجيل مسكوني. هو دعوة للجميع وليس لليهود فقط. لهذا نلاحظ فيه الآتي:
    • إذ كان اليهود يتطلعون إلى أنفسهم أنهم أبرار وبقية الشعوب خطاة، يعلن الإنجيلي أن السيد المسيح هو "صديق الخطاة(13)"، فانفرد بقوله أن ابن الإنسان، قد جاء يطلب ويخلص ما قد هلك (19: 10)، كما قدّم لنا مجموعة كبيرة من أقوال السيد وأمثاله توضح صداقة يسوع المسيح وحنوّه على الخطاة، مثل المثل الخاص بطول الأناة على شجرة التين العقيمة (13: 6-9)، مثل الخروف الضال، والدرهم المفقود، والابن الضال (15)؛ كما قدّم لنا قصة المرأة الخاطئة (7: 36-50)، وتوبة زكا العشار (19: 1-10)، والوعد للّص التائب على الصليب (23: 40-43) إلخ

    • اقتبس العبارات والأحداث التي تفتح أبواب الرجاء للأمم، كقول إشعياء النبي: "كل جسد يرى خلاص الرب"، ورسالة إيليا النبي إلى أرملة صرفة صيدا الأممية (4: 25)، ورسالة إليشع إلى نعمان السرياني الوثني الأممي (4: 27)

    • ذكر إرسالية السبعين رسولًا، فإن كان الإثنا عشر تلميذًا يمثلون دعوة اليهود (الاثني عشر سبطًا) فإن رقم 70 يشير إلى ملء الأمم

    • في نسب السيد المسيح لم يبدأ بإبراهيم بل بآدم أب كل البشرية (3: 38)
  3. إذ هو سفر الصداقة الإلهية المتّجهة نحو الإنسان، فإن هذه الصداقة مقدّمة أيضًا للأطفال والنساء، مقدسًا الطفولة، ورافعًا من شأن المرأة ودورها الإيجابي، كما أعطى اهتمامًا خاصًا بالفقراء والمعوزين والمطرودين والمنفيين:
    • من جهة الأطفال انفرد بذكر ميلاد يوحنا المعمدان وطفولته، وأيضًا بشارة العذراء بميلاد الطفل يسوع في شيء من التفصيل، وابتهاج الجنين في أحشاء أليصابات عند دخول القديسة مريم وسلامها على أليصابات، وختان الطفل يسوع، ودخوله الهيكل مع القديسة مريم في يوم الأربعين، وذهابه الهيكل في الثانية عشر من عمره إلخ.

    • من جهة المرأة فقد لاحظ بعض الدارسين(14) أن لوقا البشير إذ قدّم إنجيله المسكوني (الجامعي) أعطى اهتمامًا خاصًا بالمرأة أكثر من بقية الإنجيليين. ففي العالم الهيليني يبدو أن مركز المرأة اجتماعيًا وقانونيًا أفضل منه عند اليهود في ذلك الحين، لذلك أراد الإنجيلي إظهار أن الرسالة الإنجيلية لا تحدّها التقاليد اليهودية. انفرد الإنجيلي بذكر حنّة الأرملة المتعبدة في الهيكل (2: 36)، كما سجّل لنا خدمة مرثا وجلوس مريم أختها عند قدميّ المخلص تنعم بكلماته

    • اهتم الإنجيلي بالفقراء والمعوزّين والمطرودين والمنفيين. فأُرسلت البشارة إلى فتاة الناصرة الفقيرة، واهتمت الملائكة بالرعاة البسطاء، وحدّثنا السيد عن الغني ولعازر المسكين، ووليمة العُرج والعُمي والعُسم، ومثل السامري لصالح، ومثل العشار، وقصة الزانية في بيت سمعان الفريسي، ومثل الابن الضال، وقصة مريم المجدلية، وقبول اللص التائب على الصليب إلخ. يقول أحد الدارسين: [لقد ظهر اهتمامًا بالأقلّيات والجماعات المعزولة والمنبوذة، مثل السامريين والبرص والعشارين والجنود، وعامة الخطاة الذين في خزي، والرعاة الأممين والفقراء، وهؤلاء جميعًا يجدون تشجيعًا في هذا الإنجيل
  4. يرى البعض مثل Leon-Dufour(16) أنه يمكن إطلاق تعبير "الإنجيل الاجتماعي" على إنجيل معلمنا لوقا البشير في شيء من التحفظ، معلّلًا ذلك بأنه قد عرض الكثير عن الالتزام بالعطاء للفقراء (3: 10؛ 14: 12-14)، معلنًا عقوبة من لا يساهم في احتياجاتهم (16: 25)، كما أبرز الالتزام بعدم الظلم أو الوشاية (3: 10-14)

    يصعب أن ندعو إنجيلًا بأنه اجتماعي وآخر أنه روحي، فإن الحياة الإيمانية وحدة واحدة لا تتجزأ. إن قُدّم العمل الروحي فلا يتجاهل الجانب الاجتماعي، والعكس إن قُدّم عمل اجتماعي فمن واقع روحي. فما أبرزه الإنجيل بخصوص الاهتمام بالفقراء والمعوزين والمتألمين والمظلومين، إنما هو ثمر طبيعي لتذوقنا صداقة السيد المسيح لنا، بكونه الصديق المهتم بالجميع خاصة المحتاجين روحيًّا أو ماديًّا أو اجتماعيًّا أو نفسيًّا. فيليق بنا كأصدقاء للسيد المسيح أن نردّ حبه بالحب، ونحمل سماته فينا، فما يُقدمه لنا يحملنا أن نقدّمه بصورة أو بأخرى لإخوتنا

  5. كصديقٍ لنا ليس فقط يقدم لنا السيد المسيح الخلاص على الصليب، إنما خلال هذا الحب الذي يدخل إلى حياتنا اليومية، نراه يشاركنا حتى في ولائمنا ويدخل بيوتنا. فنجده يتناول العشاء في بيت سمعان الفريسي، ويقبل وليمة زكا العشار، ويستجيب لدعوة تلميذي عمواس واستضافتهما له

    وكصديق لنا لا يطلب العنف ولا يقبل التعصب، فنراه يوبِّخ يوحنا لأنه طلب نارًا تأكل أهل السامرة (9: 54)، وزجر التلاميذ قائلًا: "من ليس علينا فهو معنا" (9: 50). إنه "إنجيل الرحمة" أي "إنجيل الغفران العظيم(17)". وكصديق لنا يشتاق أن نقبل صداقته ونتجاوب مع حبه، لذا كثيرًا ما يثيرنا لقبول هذه الصداقة بتقديم مقارنات مثل:
    • سمعان الفريسي والمرأة الخاطئة، فقد قدّم الأول بيته ومائدته دون قلبه، أما المرأة بالرغم من عطاياها الكثيرة لكنها عرفت بالحب أن تتمتع بالصداقة والغفران

    • الفريسي والعشار، الأول دخل الهيكل وله أعمال ناموسية يعتز بها، لكن في كبريائه لم يقدر أن يصادق الرب، بينما استطاع العشّار وهو في آخر صف أن يدخل إلى قلب الصديق الأعظم خلال التواضع

    • السامري الصالح واللاوي والكاهن، تمتع الأول بالدخول في هذه الصداقة والتجاوب معها خلال اتساع قلبه للبشرية، بينما خسر رجلي الدين الصداقة خلال ضيق قلبيهما

    • الابن الضال والابن الأكبر، نال الأول البركة وتمتع بالصداقة خلال التوبة والرجوع، بينما فقد الابن الأكبر علاقته بالأب بسبب كبريائه

    • اللص التائب واللص الهالك، اغتصب الأول الملكوت في اللحظات الأخيرة

    • التطويبات والويلات
  6. إن كان الفكر اليوناني قد ساد العالم في ذلك الحين، لكنه لم يقدّم للبشرية شعبًا صادقًا، وفرحًا حقيقيًا، وعاش الإنسان يطلب كل يوم فلسفة جديدة أو فكرًا لم يُسمع عنه من قبل. لذلك كتب الإنجيلي لوقا هذا السفر ليعلن أن المسيح صديق البشرية، هو واهب الفرح الداخلي والتسبيح. فقد ضمّ الكثير من التسابيح التي تعتز بها الكنيسة وتستخدمها في عبادتها وليتورجياتها، مثل تسبحة الميلاد الملائكية (2: 14)، وتسبحة زكريا (1: 68-79)، وتسبحة القديسة مريم (1: 46-55)، وتسبحة سمعان الشيخ (2: 29-32)

    مجيء الصديق المخلص خلق جوًا من الفرح. فقد افتتح السفر بحديث الملاك لزكريا الكاهن عن القديس يوحنا السابق لهذا الصديق المخلص، قائلًا: "ويكون لك فرح وابتهاج وكثيرون سيفرحون بولادته" (1: 14). كما يروي أن ولادته قد أصبغت فرحًا على الكثيرين (1: 58). أما ميلاد السيد فرافقه انفتاح السماء على الأرض للكرازة بها: "ها أنا أبشركم بفرحٍ عظيمٍ يكون لجميع الشعب" (2: 10). وعندما عاد الرسل السبعين من كرازتهم يقول: "فرجع السبعون بفرح قائلين: يا رب حتى الشياطين تخضع لنا باسمك" (10: 17)، بل قيل: "وفي تلك الساعة تهلل يسوع بالروح، وقال: "أحمدك أيها الآب رب السماء والأرض، لأنك أخفيت هذه عن الحكماء والفُهماء وأعلنتها للأطفال، نعم أيها الآب هكذا صارت المسرة أمامك" (10: 21). وكأن الكرازة بهذا الصديق الفريد قد هلّلت قلب المخلص نفسه من أجل البسطاء، وهي موضع سرور الآب، بل أعلن أنه يكون فرح حتى في السماء عند توبة الخطاة (15: 7، 10، 32)

    إنه فرح داخلي يملأ قلب الخاطئ التائب، عندما يجد في صديقه كل الشبع، إذ قيل عن زكا: "فأسرع ونزل وقبله فرحًا" (19: 6). وفرح للجماعة كلها، إذ قيل: "وفرح كل الجمع بجميع الأعمال المجيدة الكائنة منه" (13: 7). كما قيل عن دخوله أورشليم: "ابتدأ كل جمهور التلاميذ يفرحون ويسبحون الله بصوت عظيم لأجل جميع القوات التي نظروا" (19: 37). وقد ختم السفر بالفرح بالصديق القائم من الأموات والصاعد إلى السماوات، إذ قيل عن التلاميذ حين ظهر لهم صديقهم العجيب: "وبينما هم غير مصدّقين من الفرح ومتعجبون..." (24: 41). وأيضًا بعد صعوده مباشرة: "رجعوا إلى أورشليم بفرحٍ عظيمٍ" (24: 51)

    هكذا جاء السيد المسيح يحقق سرور الآب، ويفرح هو بالبشرية المخلَّصة بدمه، وتفرح معه السماء، كما ملأ تلاميذه ورسله فرحًا وسكب على كنيسته بهجته، وأيضًا على الخطاة التائبين. ولكي يميز بين هذا الفرح وفرح العالم المؤقت ضرب لنا مثل الغني الغبي الذي قال لنفسه: "استريحي وكلي واشربي وافرحي" (12: 19)؛ لكنه لم يستطع أن يفرح، إذ سمع الصوت الإلهي: "يا غبي هذه الليلة تُطلب نفسك منك" (12: 20). هذا كله دفع البعض إلى تلقيبه "إنجيل الفرح المسيحاني"

  7. إذ جاء السيد المسيح صديقًا لنا، قدّم لنا نفسه مثالًا، فظهر كمصلّي في مواقف كثيرة منها عند عماده (3: 21)، وبعد تطهير الأبرص، وقبل دعوة الاثني عشر تلميذًا (6: 12)، وعند التجلي (9: 28)، وعلى الصليب من أجل صالبيه، وفي اللحظات الأخيرة من حياته على الأرض. لقد أراد أن يعلن "الصلاة" كسِرّ لصلتنا بالله وصداقتنا معه. ظهور السيد كمصلّي إنما يعني أيضًا أنه حملنا فيه لننعم بالاتصال بالآب.

    في هذا السفر يحدثنا السيد عن الصلاة أكثر من بقية الأسفار، فوَرد فيه الصلاة الربانية، وشدّد على ضرورة الاستمرار في الصلاة والمثابرة فيها، مقدمًا مثَل الصديق المحتاج لثلاثة أرغفة يذهب إلى صديقه ويطلب بلجاجة، ومثَل قاضي الظلم الذي استمع للأرملة من أجل لجاجتها.

  8. يرى البعض أن الأناجيل بوجه عام، وإنجيل لوقا بوجه خاص، لم تهدف إلى مجرد عرض لحياة السيد المسيح أو تاريخه، قدر ما هدفت إلى تقديم الكنيسة التي عاش فيها السيد المسيح حيًّا يعمل لأجلها. فهي تتحدث عن مسيح الكنيسة كما تتذوقه بالتفافها حوله وثبوتها فيه. فالقديس لوقا في إنجيله يعرض بوحي الروح القدس حياة الكنيسة خلال وجوده على الأرض بالجسد، بينما في سفر الأعمال يعرض حياتها بعريسها خلال وجوده عن يمين الآب بعد الصعود، واهبًا إيّاها روحه القدوس. إنه الصديق العامل بلا انقطاع، كان يعمل حين وُجد بالجسد هنا، ولا يزال يعمل بعد صعوده حتى يلتقي بنا على السحاب

  9. ساد في الكنيسة الأولى إحساس بأن قدوم السيد المسيح اقترب جدًا، وأنه يتحقق في العصر الرسولي، الأمر الذي عالجه الرسول بولس في رسالته الثانية إلى أهل تسالونيكي، مؤكدًا أن السيد لن يأتي إلا بعد ظهور إنسان الخطية، وتحقق حركة الارتداد (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات والتفاسير الأخرى). فإن معلمنا لوقا حمل ذات الاتجاه معلنًا في هذا السفر كما في سفر الأعمال أن موت السيد وقيامته وصعوده المجيد، لا يعني مجيئه الثاني في الحال. ولا بعد خراب أورشليم مباشرة، إذ أساء البعض فهم كلمات الإنجيلي مرقس (14: 62؛ 9: 1)، فقد أعلن أن ملكوت المسيا حقيقة واقعة تتم أولًا في الكنيسة هنا، وتتحقق في القلب، وينضم إلى الكنيسة كل يوم الذين يخلصون. كأن مجيء السيد يتحقق أولًا بحلوله في قلوب المختارين، وإذ يكمل عمله هنا في العالم يأتي على السحاب

  10. يرى بعض الدارسين أن إنجيل لوقا جاء مطابقًا للأسفار الستة الأولى من العهد القديم هكذا:
    • سفر التكوين الجديد يصف ميلاد السيد المسيح وطفولته، هذا الذي به تتحقق الخليقة الجديدة، فبظهور آدم الثاني انطلقت البشرية إلى عالم جديد

    • الخروج الجديد تحقق بتجربة السيد المسيح في البرية أربعين يومًا، حيث غلب لحسابنا، مقابل تيه شعب إسرائيل أربعين سنة بعد خروجهم وسقوطهم المستمر في التذمر

    • سفر اللاويين الجديد هو إقامة الاثني عشر تلميذًا، وتقديم العظة الخاصة بسيامتهم كسفر اللاويين آخر (6: 20)

    • سفر العدد الجديد هو إرسالية السبعين رسولًا

    • القسم الخاص بسفر التثنية يمثل النصيب الأكبر من الإنجيل حيث يضم أجزاء كثيرة من تعاليم السيد خاصة في (9: 51- 18: 14).

    • سفر يشوع الذي قدمه معلمنا لوقا هو قصة آلام السيد المسيح وقيامته، فقبول راحاب الزانية يقابله زكا العشار (لو 19: 1-2)
  11. أبرز الإنجيلي لوقا دور الروح القدس، فأعلن الملاك عن يوحنا المعمدان أنه يمتلئ من الروح القدس من بطن أمه (1: 15). كما أبرز عمل الروح القدس في التجسد الإلهي (1: 35)، وعمله أيضًا في الأحاديث النبوية (1: 67؛ 2: 25-27)، وفي المعمودية (3: 16)، وظهوره في عماد السيد (3: 22). هكذا يربط عمل السيد المسيح بعمل روحه القدوس (4: 1، 14، 18؛ 10: 21؛ 11: 13؛ 10: 12)

  12. دُعي هذا السفر بإنجيل الشمول، إذا حوى الكثير من القصص التي لم ترد في الأناجيل الأخرى وأيضًا الأمثال، يسنده في هذا علاقته الوثيقة بالقديسة مريم انفرد بذكر المعجزات التالية: صيد الأسماك (5: 4-11)، إقامة ابن أرملة نايين (7: 11)، المرأة التي بها روح الضعف (13: 11-17)، الرجل الأبرص (14: 1-6)، العشرة برص (17: 11-19)، شفاء أذن ملخس (22: 50-51). انفرد أيضًا بذكر الأمثال التالية: المديونان (7: 41-43)، السامري الصالح (14: 25-37)، الصديق اللجوج (11: 5-8)، الغني الغبي (12: 16-20)، شجرة التين غير المثمرة (13: 6-9)، الدرهم المفقود (15: 8-10)، الابن الضال (15: 11-32)، الوكيل الخائن (16: 1-13)، الغني ولعازر (16: 19-31)، الفريسي والعشار (18: 10-14). كما انفرد بذكر أحداث معينة مثل إجابة يوحنا المعمدان على الشعب، بكاء المسيح على أورشليم، موضوع حديثه مع موسى وإيليا عند التجلي، العرق الذي نزل من جبينه كقطرات الدم، خطابه لبنات أورشليم، لقاء السيد مع تلميذيّ عمواس، وأيضًا تفاصيل خاصة بصعوده.

  13. من جهة الأسلوب فكما سبق فتحدثنا في أكثر من موضع أن الروح القدس إذ يعمل في الكاتب ويلهمه بالكتابة لا يفقده شخصيته، بل يستغل قدراته ويلهمه ويحصّنه من الخطأ. وقد ظهرت قدرات معلمنا لوقا البشير من جهة الأسلوب، فكطبيبٍ اتسم بالفحص الدقيق، فجاء محققًا للأمور. وأيضًا كطبيبٍ ورسام في نفس الوقت جاء رقيقًا في أسلوبه، يحمل لمسات شعرية لطيفة وعذبة، حتى صار إنجيله مصدرًا للفنانين يستوحون منه أيقوناتهم. وأيضًا كصديق ورفيق للقديس بولس في كثير من أسفاره أوجد شيئًا من التشابه بين كتاباتهما، مما جعل العلامة ترتليان(19) يقول بأن الإنجيلي لوقا قد استنار بالرسول بولس. (راجع لو 4: 22 مع كو4: 6؛ لو 4: 32 مع 1 كو2: 4؛ لو6: 36 مع 2 كو 1: 3؛ لو 6: 39 مع رو 12: 19؛ لو 9: 56 مع 2 كو 10: 18؛ لو 10: 8 مع 1 كو 10: 23؛ لو 11: 41 مع تي 1: 15؛ لو 18: 1 مع 2 تس 1: 11؛ لو 21: 36 مع أف 6: 18؛ لو 22: 19-20 مع 1 كو 11: 23-29؛ لو24: 34 مع 1 كو 15: 5(20)).

أقسامه

† صديقنا صار مثلنا ص 1 - 3
† صديقنا يجرَّب مثلنا ص 4
† صديقنا يشعر بآلامنا ص 5 - 18
† صديقنا المخلص ص 19 - 23
† صديقنا القائم من الأموات ص 24


Source: St. Takla - Fr. Tadros Malaty






تفسير إنجيل يوحنا - المقدمة

الإنجيل بحسب ما كتبه القديس يوحنا سفر يناسب الكل، البسطاء والعلماء. كلماته بسيطة للغاية، يقرأه البسطاء فيجدون نفوسهم قريبة منه فيرتاحون، ويغوص فيه أصحاب الخبرات الروحية دون أن ينتهوا إلى سبر غوره

إنجيل يوحنا والكنيسة الأولى

سحب الإنجيل بحسب يوحنا قلب الكنيسة الأولى ليرفعه إلى الأسرار الإلهية الفائقة، بوحي الروح القدس، بأسلوبٍ روحيٍ جذَّاب، بعيدًا عن المصطلحات الفلسفية الصعبة ولغة اللاهوت الجافة. فيما يلي بعض تعليقات آباء الكنيسة عنه:
يمكننا أن نتجاسر فنقولأن الأناجيل هي بكر كل الكتب المقدسة، أما بين الأناجيل فإنجيل يوحنا هو البكر. لا يدرك معناه من لم يتكئ على صدر يسوع (يو23:13) ويستلم مريم من يسوع أمًا له أيضًا (يو 27:19)؛ مثل هذا يكون يوحنا آخر، ويظهر له يسوع ذاته كما فعل مع يوحنا. فإذ لم يكن ابن لمريم سوى يسوع، وذلك بالنسبة لمن يقدمون رأيًا صادقًا فيها، وقد قال يسوع لأمه: "هوذا ابنك" (يو 19: 26)، ولم يقل: "هذا هو أيضًا ابنك". كأنه يقول: "هوذا يسوع الذي ولدتيه". فإنه بالحق كل إنسان صار كاملًا، لا يحيا هو بل يحيا المسيح فيه (2 كو 4: 7). وإذ يحيا المسيح فيه، يُقال لمريم عنه: "هوذا ابنك" المسيح   العلامة أوريجينوس

هؤلاء جميعًا (الإنجيليون متى ومرقس ولوقا) ارتفعوا قليلًا عن الأمور التي على الأرض، أي عن تلك الأمور التي صنعها ربنا يسوع المسيح على الأرض، أما عن لاهوته فتحدثوا القليل عنه. كانوا أشبه بأناسٍ ساروا معه على الأرض، وبقي النسر، أي يوحنا، الكارز بالحقائق السامية، والمتأمل بنظرة ثاقبة نحو النور الداخلي الأبدي...

مع هذا فإننا نحن الذين نزحف على الأرض ضعفاء، ونسلك بين البشر بصعوبة، نتجاسر لنتمسك بهذه الأمور ونتفهمها، حاسبين أنفسنا كما لو كنا قد أدركناها عندما نتأمل فيها، أو نتحدث عنها   القديس أغسطينوس

أما يوحنا المبارك... نراه برغبة ناريةٍ وعقلٍ يرغب في الأمور التي تعلو العقل الإنساني، تجاسر واقترب لكي يشرح الميلاد الفائق الذي لا يُمكن الإحاطة به، أي ميلاد اللَّه الكلمة. فهو يعلم أن "مجد اللَّه إخفاء الأمور" (أم2:25)، والكرامة التي تليق باللَّه تفوق فهمنا وإدراكنا، ومن الصعب أن يدرك أحد أو يشرح صفات الطبيعة الإلهية   القديس كيرلس الكبير

  • يحقق إنجيل يوحنا بصورة خاصة "ملء" الكتاب المقدس بعينه، وكأنه "مركز" سرّ الكتاب.

  • يشبه الأب مكسيموس المعترف الكتاب المقدس بالكنيسة المقدسة، وإنجيل يوحنا قدس الأقداس فيها، فيه ندخل إلى أعماق مقدسات الكتاب، ونتعرف على أسراره، ونخترق الحجاب.

  • بحق يدعوه القديس اكليمنضس السكندري "الإنجيل الروحي"، لأنه يدخل بالنفس إلى التعرف على الأمجاد التي أعدت لها خلال محبة الله الآب، وعمل المسيح الخلاصي، وتعزيات الروح القدس. يرى أن إنجيل يوحنا بمثابة الروح، والأناجيل الثلاثة الأخرى بمثابة الجسد. قدمت الأخيرة الحقائق والوقائع الملموسة في حياة السيد المسيح وخدمته وعمله الخلاصي. وجاء إنجيل يوحنا يفسر ما وراء هذه الأحداث، ويكشف عن أعماقها ومفاهيمها. جاء السفر متناغمًا مع قول السيد المسيح: "ليعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته" (يو17: 3)

  • هو الإنجيل الروحي إذ يرفع المؤمن إلى عالم الروح، ولا يسمح لمؤمنيه أن يبقوا على مستوى المادة، فإذ أشبع الجموع بالخبز فرحوا (26:6)، أما هو فدعاهم إلى الطعام الأبدي (27:6)

  • في حديثه مع نيقوديموس عن الولادة الجديدة كان فكر نيقوديموس المعلم في إسرائيل حبيس أحشاء أمه، أما السيد المسيح فرفعه لينظر بعيني قلبه أن "المولود من الروح هو روح" (1:3-6)

  • وفي حديثه مع المرأة السامرية كان فكرها حبيس الدلو المادي وبئر يعقوب وماشيته، فرفع قلبها إلى الينبوع الإلهي حيث يقدم لها ماءً يفجر في داخلها ينابيع مياه حيّة تجري للحياة الأبدية

  • إذ بدأ القديس يوحنا الذهبي الفم يعظ على إنجيل يوحنا، تحدث عن القديس يوحنا الإنجيلي وهو يقدم إنجيله مقارنًا بينه وبين الخطباء والممثلين كيف يجتذبون الجماهير بفن الخطابة واستخدام الموسيقى وارتداء قناعات جذابة، أما القديس يوحنا فيتقدم كما على منصة السماء، ليحدث أناسًا صار منهم كثيرون أشبه بالملائكة، ويشتهي أن يصير بقية المستمعين هكذا. إنه لا يستخدم سوى نعمة الله، يتحدث وهو في صحبة السمائيين، مقدمًا لهم رسالة المسيح المفرحة

  • يتقدم أمامنا الآن هذا الرجل: ابن الرعد، حبيب المسيح، عمود الكنائس في كل العالم، الذي يمسك بمفاتيح السماء، الذي شرب كأس المسيح، واعتمد بمعموديته، الذي اتكأ بكل ثقة على صدر سيده.. دخل مرتديًا ثوب الجمال غير المدرك. فإنه سيظهر أمامنا مرتديًا المسيح (رو 13: 14؛ غلا3: 27)، منتعلًا في قدميه الجميلتين باستعداد إنجيل السلام (أف 6: 15)، ومتمنطقًا بمنطقة ليست حول خصره بل حول منطقتيه، ليست من جلد قرمزي، ولا مكسوة في الخارج من ذهب، بل منسوجة ومصنوعة من الحق نفسه

  • الآن يظهر أمامنا لا ليقوم بدور تمثيلي، وإنما برأس دون قناع يعلن الحق مكشوفًا. إنه لا يجعل جمهور المستمعين له يصدقونه بل بالأحرى بالمحفل والنظرات والصوت يحقق رسالته دون أدوات موسيقية مثل القيثارة أو ما يشبهها، إنما يستخدم لسانه، ناطقًا بصوت أعذب من أية قيثارة أو أداة موسيقية وأكثر نفعًا. منصته هي السماء كلها، ومسرحه هو العالم المسكون كله، وفرقته هي كل الملائكة، أما عن المستمعين فهم بشر صار منهم كثيرون ملائكة أو يود أن يصيروا هكذا. فإنه لن يستطيع أن ينصت إليه بانسجام حقيقي إلا الذين صاروا هكذا، مظهرين ذلك بأعمالهم. أما البقية فإنهم كأطفال صغار يسمعون ولا يفهمون.. إنهم في طرب ولهو، يعيشون فقط من أجل الثروة والسلطة واللذات الحسية. ما يسمعونه هو حق، ولكنهم في أعمالهم لا يبرزون ما هو عظيم ونبيل خلال إسراعهم نحو الطين لعمل قرميد (طوب)

  • لم يعد بعد صياد السمك ابن زبدي، بل ذاك الذي يعرف "أعماق الله" (1 كو 2: 10)، الروح القدس، أقصد أنه يضرب على هذه القيثارة، لذلك ليتنا ننصت إليه، فإنه لا يتحدث معنا بشيء قط كإنسانٍ، إنما ما يقوله سيقوله من أعماق الروح، من الخفيات التي لم يعرفها حتى الملائكة قبل حدوثها، فقد تعلموها بواسطة صوت يوحنا معنا، وبواسطتنا، الأمور التي نحن نعرفها. هذا أيضًا أعلنه رسول آخر، قائلًا: "لكي يعرف الآن عند الرؤساء والسلاطين في السماويات بواسطة الكنيسة بحكمة الله المتنوعة" (أف 3: 10). فإن كان الرؤساء والسلاطين والشاروبيم والسيرافيم تعلموا هذا الأمور من الكنيسة، فواضح جدًا أنهم كانوا مشتاقين جدًا للإصغاء إلى هذا التعليم. في هذا ننال كرامة ليست بقليلة، أن الملائكة تعلموا هذه الأمور التي لم يكونوا يعرفوها قبلًا   القديس يوحنا الذهبي الفم

كاتبه

كلمة "يوحنا" تعني: "يهوه حنان"
  • هو ابن زبدي من بيت صيدا في الجليل، دعاه السيد المسيح مع أخيه الأكبر يعقوب الذي قتله هيرودس أغريباس الأول سنة 44 م

  • يبدو أنه كان على جانب من الثراء، إذ كان والده يستخدم أجرى في سفنه (مر10:1)، وكان يوحنا معروفًا لدى رئيس الكهنة (يو16:18). وكانت أمه سالومي سيدة فاضلة تقية تتبع السيد المسيح على الدوام (لو3:8)، اشتركت مع النساء اللواتي اشترين حنوطًا كثير الثمن لتكفين السيد المسيح، وهي على الأرجح أخت مريم أم يسوع (يو25:19)

  • اتخذ مهنة صيد السمك حرفة، وكان هو وأخوه شريكي سمعان في الصيد (لو10:5)، وقد اختار السيد المسيح سمعان وأندراوس ويوحنا ويعقوب كأول تلاميذ له. وإذ كان يوحنا وأخوه حادي الطبع دعاهما "بوانرجس"، أي "ابني الرعد" (مر17:3). وقد صار يوحنا رسول الحب، رقيقًا للغاية؛ جاء إنجيله ورسائله ورؤياه تدور حول "الحب". وبقى يكرز بالحب حتى شيخوخته، وكما يقول القديس جيروم في تفسيره الرسالة إلى أهل غلاطية كان تلاميذه يحملونه على أذرعهم ويذهبون به إلى المنبر لينطق بالكلمات: "يا أولادي أحبوا بعضكم بعضًا. هذه وصية الرب، إذا عملتم بها وحدها فهذا يكفيكم(7)". دُعي "التلميذ الذي كان الرب يحبه"(يو 20:21)

  • يقول القديس إيرينيؤس إن يوحنا كان في الخامسة والعشرين من عمره حين دعاه السيد المسيح للعمل

  • يعتبر مع بطرس ويعقوب من التلاميذ الأخصاء الذين انفردوا مع السيد المسيح في كثير من المواقف، مثل التجلي (مت 1:17)، وعند إقامة ابنة يايرس (مر 37:5)، وفي بستان جثسيماني (مت 37:26)، وعندما تنبأ عن خراب الهيكل وأورشليم (مر 13: 3). أمره السيد المسيح مع بطرس أن يعدا الفصح له ولتلاميذه (لو 8:22)

  • انفرد باتكائه على صدر السيدالمسيح(لو 23:13)، وقد رافق السيد حتى الصليب حيث تسلم منه القديسة مريم أمًا له (يو20:19-27)

  • بعد صعود السيد اشترك مع القديس بطرس في إقامة الأعرج الذي كان عند باب الهيكل المُلقب بالجميل (أع1:3-6)، وفي الذهاب إلى السامرة لوضع اليد على المؤمنين ليحل الروح القدس عليهم (أع14:8-17)

  • حسبه الرسول بولس أحد أعمدة الكنيسة (أع6:15؛ غل9:2)

  • كرز في آسيا الصغرى، لا سيما في أفسس، وعُذب في أيام دومتيانوس، ونُفي إلى جزيرة بطمس، حيث تمتع برؤيا يوم الرب "سفر الرؤيا"، وبقي في منفاه حتى تنيح. يقول القديس جيروم أن الرسول يوحنا انتقل في العام الـ68 بعد صعود الرب. وبذلك يكون الرسول قد عاش عامين أم أكثر في القرن الثاني للميلاد. ومعنى هذا أنه عاش إلى ما يقرب المائة عام، حيث أن كان أصغر من الرب بقليل. ويرى البعض أنه تنيححوالي سنة 98م في حكم تراجان (98-117م)

  • يروي لنا يوسابيوس القيصري في كتابه "تاريخ الكنيسة(8)" قصة عن القديس يوحنا الرسول في شيخوخته تكشف عن مدى تقديره العجيب لخلاص النفس البشرية وبحثه عنها؛ وقد رواها نقلا عن القديس اكليمنضس السكندري في كتابه "من هو الغني الذي يخلص؟"

    جاء عن القديس يوحنا أنه بعد عودته من جزيرة بطمس إلى مدينة أفسس تجوّل في بعض المناطق الوثنية المجاورة، لإقامة أساقفة في بعض الأماكن وتدبير أمور الكنائس، وإذ بلغ مدينة ليست ببعيدة (غالبًا أزمير) سلم أسقفها شابًا وثنيًا قَبِل الإيمان وكان مملوءً غيرة، مؤكدًا عليه أن هذا الشاب هو وديعة بين يديه. وبالفعل اهتم به الأسقف حتى نال سرّ المعمودية. لكن بعض الشبان الفاسدين اجتمعوا به، وأفسدوا حياته في ترفٍ وبذخٍ، وإذ احتاجوا إلى مالٍ صاروا يسرقون، فكان يشترك معهم. انحدر الشاب من جريمة إلى أخرى حتى كوَّن عصابة تحت قيادته يسلبون وينهبون ويسفكون الدماء. وإذ عاد القديس يوحنا إلى المدينة يسأل الأسقف عن الشاب أجابه: "لقد مات... مات عن اللَّه، لأنه عاد إلى شره، وأصبح خليعًا، وأخيرًا صار لصًا، وعوضًا عن الكنيسة صار يلازم الجبال مع عصابة تماثله". لم يحتمل القديس ذلك، بل طلب فرسًا امتطاه رغم شيخوخته، وانطلق إلى الموضع حيث أسره اللصوص، وأتوا به إلى رئيسهم، الذي لما رآه اعتراه الخجل وحاول الهرب. صار القديس يجري وراءه صارخًا: "لماذا تهرب مني؟ أنا أبوك يا ابني، وأنا أعزل، طاعن في السن، وإن لزم الأمر فإنني مستعد أن احتمل الموت عنك، كما احتمل الرب الموت عنا. لأجلك أبذل حياتي. قف، آمن، فإن المسيح أرسلني إليك". للحال خجل الشاب ووقف مطرقًا رأسه نحو الأرض، يبسط ذراعيه في رعدة، وكان يبكي بمرارة. فرح به القديس جدًا، ورجع به إلى الكنيسة، ولم يترك المدينة حتى اطمأن عليه

  • يروي القديس يوحنا كاسيان القصة التالية: [بينما كان الإنجيلي المبارك ذات يوم يداعب صقرًا، إذابشاب أقبل عليه عائدًا من الصيد. فتعجب الشاب وسأل الرسول كيف أن رجلًا عظيمًا مثله يقضي وقته على هذا الحال. وحينئذ سأله الرسول: "ما هذا الذي في يدك؟" فقال الشاب: "إنه قوس". قال الرسول: "ولماذا هو غير مشدود؟" فأجاب: "لأنني لو جعلته مشدودًا على الدوام يفقد مرونته، وهي التي أحتاج إليها حين أطلق السهم". فقال الشيخ: "إذن لا تغضب على يا صديقي الشاب لأني في بعض الأحيان أحل أوتار نفسي، وإلا فقدت قوتها وخانتني في اللحظة التي أحتاج أن أستعملها

  • يحدثنا أيضًا المؤرخ يوسابيوس عن مدى حرصه على الإيمان المستقيم من البدع نقلًا عما جاء عنه في كتابات القديس إيرينيؤس أسقف ليون أن الرسول دخل مرة إلى الحمام ليستحم، وإذ عرف أن المبتدع كيرنثوس (نادى بأن مملكة المسيح أرضية؛ إذ كان محبًا للولائم والعلاقات الدنسة الجسدية) هناك قفز فزعًا، وخرج مسرعًا، لأنه لم يطقْ البقاء معه تحت سقفٍ واحدٍ، ونصح مرافقيه أن يقتدوا به، قائلًا: [لنهرب لئلا يسقط الحمام، لأن كيرنثوس عدو الحق بداخله]

  • يحدثنا أيضًا المؤرخ يوسابيوس على لسان أبولونيوس الذي يظن أنه كان أسقفًا على أفسس أن الإنجيلي يوحنا أقام ميتًا في أفسس بمعونة الله

  • يروي لنا العلامة ترتليان أن الإنجيلي يوحنا اُلقي في قزانٍ به زيت مغلي والرب نجاه

مكان كتابته وتاريخ الكتابة

حسب شهادة القديس إيرينيؤس أسقف ليون (حوالي سنة 177-200 م.)، وهو تلميذ القديس بوليكربوس، سلّم القديس يوحنا إنجيله لأساقفة آسيا حيث كان مقيمًا معهم إلى عهد الإمبراطور تراجان، وأنه قام بنشره في أفسس

وقد بقي تقليد الكنيسة في الشرق والغرب يأخذ بهذا الرأي دون اعتراض يُذكر. لكن جاء بعض النقاد المحدثين يشككون في نسبة السفر للقديس يوحنا، وبالتالي تشككوا في مكان كتابته وتاريخه. أما من جهة مكان الكتابة فظن البعض أنه كُتب في إنطاكيا أو سوريا، يعتمدون في ذلك على ما جاء في أعمال أغناطيوس Acts of Ignatius، (وهو مُستند لا يُعرف تاريخه)، بأن يوحنا كان مرتبطًا بأنطاكيا. يُرد على ذلك بأن يوحنا كان في أنطاكيا زمانًا ثم ذهب إلى أفسس واستقر هناك.

ينسب بعض النقاد السِفر إلى الإسكندرية، حجتهم في هذا أن أقدم مخطوطة للسِفر وُجدت في مصر. وأن السفر يحمل طابعًا هيلينيًا يناسب فكر الإسكندرية المتأثرة بفيلون Philo اليهودي الرمزي السكندري. يُرد على ذلك أن مناخ مصر العلمي جعلها تقتنيه في وقت مبكر وتحتفظ به، ويكون له دوره في حياة كنيستها وآبائها، لكن ليس بالضرورة أن يكون قد كُتب في مصر. أما من جهة اعتراض البعض على كتابته في أفسس، فقد قام الاعتراض على أساسين:

أولًا: أكّد كثير من النقاد المحدثين خلال النصف الأول من القرن العشرين أن أسلوب السِفر غنوسي هيليني، وهو أسلوب لا يوافق القرن الأول الميلادي بل القرن الثاني. لذلك أصروا على أنه حتى وإن كانت أصوله من وضع يوحنا، فإنه قد أُعيد كتابته في القرن الثاني بيدٍ غنوسية في أنطاكية أو الإسكندرية. وجاء اكتشاف مخطوطات البحر الميت سنة 1947 م. وأيضًا المكتبة الغنوسية الكاملة التي اُكتشفت في تاريخ مقارب بنجع حمادي بصعيد مصر يؤكدان عكس ما أصرّ عليه النقاد. فتراجع الدارسون وشعروا بصدق التقليد الكنسي، وتيقّن غالبيتهم أنه من وضع القرن الأول، غالبًا بيد القديس يوحنا في أفسس. الأمر الذي نعود إليه عند حديثنا عن "إنجيل يوحنا والغنوسية".

ثانيًا: حاول بعض النقاد التشكيك في كتابة هذا السِفر بواسطة القديس يوحنا في أفسس بدعوى أن القديس قد استشهد مع أخيه يعقوب على يديّ هيرودس أغريباس الأول سنة 44م في أورشليم، مُقدمين بعض الدلائل التي يمكن الرد عليها:
  • . جاء في مرقس39:10 أن يعقوب ويوحنا يشربان الكأس التي يشربها ربنا يسوع، قائلين بأن هذا يعني أن يوحنا كان يجب أن يستشهد مع أخيه، وإلا كان القديس مرقس قد التزم بتغيير النص. ويُرد على ذلك بأن القديس مرقس مُلتزم بكتابة نص كلمات السيد المسيح تمامًا، وليس من حقه تغيير النص، تاركًا للقارئ التفسير. فإن الكأس التي قصدها الرب كانت نبوة عن الآلام التي احتملها التلميذان، وليس بالضرورة البلوغ حتى الاستشهاد بسفك الدم. هذا ولو أن هيرودس قتل الأخوين معًا لما اكتفى لوقا (كاتب سفر الأعمال) بذكر قتل يعقوب وحده، وإنما كان قد ذكر الأخوين معًا، "فقتل يعقوب أخا يوحنا بالسيف، وإذ رأى أن ذلك يُرضي اليهود عاد فقبض على بطرس أيضًا" (أع 2:12، 3)

  • اعتمدوا على عبارة موجزة وردت في كتابات كاتبين متآخرين هما فيلبس الصيدي من القرن الخامس، وجورج همرتوليس من القرن التاسع، فيها نسبا لبابياس أن يوحنا ويعقوب قتلهما اليهود. ويرد على ذلك بأن ما ورد في هذا الشأن لا يُمكن أخذه بجدية إذ عُرف عن الكاتبين أنهما غير مدققين كمؤرخين. ويقول أن إيرينيؤس ويوسابيوس عرفا كتابات بابياس ولم يذكرا شيئًا عن استشهاد يوحنا. ومما يشكك في الأمر أن فيلبس لقب يوحنا باللاهوتي بينما لم يكن هذا اللقب قد عُرف به القديس يوحنا في أيام بابياس (القرن الثاني)؛ أما جورج فلم يأخذ ما كتبه عن بابياس في هذا الشأن بجدية، إذ عاد فتحدث عن القديس يوحنا أنه رقد بسلام (دون استشهاد)

  • جاء في أعمال الشهداء السرياني (سنة 411) تذكار القديسين يوحنا ويعقوب في نفس اليوم، أي 27 ديسمبر، كرسولين في أورشليم، كما جاء في تقويم قرطاجنّة (حوالي 505م) تذكار يوحنا المعمدان ويعقوب في نفس اليوم (27 ديسمبر)، فحسب بعض الدارسين أن التقويم أخطأ في تلقيبه بالمعمدان، كما جاء في عظة للأب أفراهات أن الذين استشهدوا من الرسل غير اسطفانوس وبطرس وبولس هما اثنان يوحنا ويعقوب

  • يرد على ذلك بأنه في كل هذه حدث لبس بين القديسين يوحنا المعمدان ويوحنا الرسول. أما الدلائل الإيجابية على أن الرسول يوحنا لم يستشهد مع أخيه فهي:
    1. ذُكر القديس يوحنا بين أعمدة الكنيسة في غلاطية 9:2، وكان ذلك بعد سنة 44م

    2. جاءت اكتشافات علماء الآثار النمساويين لمقبرة القديس يوحنا بأفسس تسند الفكر الكنسي التقليدي

    3. جاء عن بوليقراطيس أسقف أفسس أنه كتب إلى فيكتورينوس أسقف روما حوالي سنة 190 م.، يؤكد أن الرسول يوحنا عاش في أفسس وتنيح فيها

      أما من جهة تاريخ كتابة السفر فبحسب الفكر الكنسي كان في أواخر حياة القديس يوحنا. هذا وواضح من السفر أنه كُتب بعد خراب هيكل اليهود في أورشليم عام 70 م. (راجع يو19:2، 20؛ 21:4)؛ وربما بعد طرد المؤمنين من مجامع اليهود، الأمر الذي تم حوالي سنة 85م حتى سنة 90م (راجع يو22:9؛ 2:16).

    غاية الكتابة

    يذكر لنا الإنجيلي غاية كتابته للسفر قائلًا: "لتؤمنوا أن يسوع هو المسيح ابن اللَّه، ولكي تكون لكم إذا آمنتم حياة باسمه" (31:20). ويلاحظ في هذا النص الإنجيلي الآتي:
    • جاءت كلمة "تؤمنوا" في اليونانية pioteonte وذلك في النسخ السينائية والفاتيكانية وKoredethi في صيغة الحاضر لا الماضي، لتعني أن الإنجيل كتب لتثبيت إيمان قائم فعلًا. فهو لم يقدم إيمانًا جديدًا، إنما أراد تثبيت إيمان الكنيسة الذي تعيشه حتى لا ينحرف أحد عنه

    • موضوع الإيمان أن يسوع هو المسيح، وأنه ابن اللَّه. وكما يقولW. C. Van Unnik أن كلمة "المسيح" لا تعني لقبًا مجردًا، إنما تعني بالضرورة "الواحد الممسوح"، "الملك الممسوح"، الأمر الذي كان اليهود يدركونه دون الأمم، أما كلمة "ابن اللَّه" فيدركها بالأكثر العالم الهيليني. على أي الأحوال ارتباط اللقبين معًا كان ضروريًا لتثبيت إيمان من كانوا من أصلٍ يهوديٍ أو أمميٍ، إذ يدرك كل مؤمن أن يسوع هذا هو موضوع كل النبوات القديمة، وهو ابن اللَّه الواحد معه في ذات الجوهر، قادر على تقديم الخلاص وتجديد الخلقة.

    • هذا وقد لاحظ الدارسون أن كلمة "المسيا" قدمت في هذا الإنجيل وحده دون ترجمة بل كما هي، وكأن القديس يوحنا أراد أن يؤكد أن اللقب هنا إنما عني ما فهمه اليهود. لذا نجده يقدم لنا حديث فيلبس لنثنائيل: "وجدنا الذي كتب عنه موسى في الناموس والأنبياء" (45:1)؛ ودعوة أندراوس لأخيه سمعان بطرس: "قد وجدنا مسيا، الذي تفسيره المسيح" (41:1). هذه هي صورة ربنا يسوع في هذا الإنجيل منذ بدايته، صورة مسيانية

    • هذه الصورة عن يسوع بكونه المسيا الملك الذي طال انتظار اليهود لمجيئه أكدها الإنجيلي في أكثر من موضع. ففي دخول السيد أورشليم "كانوا يصرخون: أوصنا، مبارك الآتي باسم الرب ملك إسرائيل... هذا الأمور لم يفهمها تلاميذه أولًا؛ ولكن لما تمجد يسوع حينئذ تذكروا أن هذه كانت مكتوبة عنه" (13:12-16). وأمام بيلاطس اعترف السيد بمملكته (33:18-37)؛ وقد دين كملكٍ لليهود (3:19، 12-15، 19، 20). القديس يوحنا وحده هو الذي أخبرنا أن الجموع طلبته لتقيمه ملكًا فانسحب من وسطهم (15:6)، لأن فهمهم للملك المسياني مختلف عن قصده هو

    • هذه الصورة التي قدمها الإنجيلي يوحنا عن ربنا يسوع بكونه "المسيا الملك" الذي طال انتظار اليهود لمجيئه، جعلت بعض الدارسين ينادون بأن يوحنا كرجل يهودي كان مرّ النفس بسبب العداوة التي أظهرها اليهود نحو يسوع. هذا ما نادى به لورد شارنوود Lord Charnwood سنة 1925، غير أن بعض الدارسين مثل ف. تيلور فيرى أن هذا الهدف لم يكن رئيسيًا، إنما كان القديس يوحنا مرّ النفس من نحو كل من حمل عداوة ليسوع سواء كان يهوديًا أو غير يهودي. ودارسون آخرون مثل J. A. T. Robinson نادوا بأن الرسول قصد المسيحيين الذين من أصل هيليني ولم يوجه إنجيله لليهود

    • غاية هذا السفر تأكيد لاهوت السيد المسيح، بكونه ابن اللَّه الوحيد الجنس، لكن لا لمناقشات نظرية أو مجادلات فلسفية، وإنما للتمتع بالحياة باسمه. إيماننا بلاهوته يمس حياتنا وخلاصنا نفسه، لذلك جاءت أول عظة بين أيدينا بعد كتابة العهد الجديد تبدأ بالكلمات: [يليق بنا أيها الإخوة أن نفكر في يسوع المسيح بكونه اللَّه، ديان الأحياء والأموات. يلزمنا ألا نقلل من شأن خلاصنا، لأننا عندما نقلل من (السيد المسيح) إنما نتقبل منه القليل.]

    • كأن هذا السفر جاء يعلن بأكثر وضوحٍ وإفاضة ما قدمه لنا الإنجيليون الآخرون، معلنًا لنا الجانب اللاهوتي. وكما يقول العلامة أوريجينوس: [إن أحدًا من هؤلاء لم يعلن لنا لاهوته بوضوح كما فعل يوحنا، إذ خلاله يقول: "أنا هو نور العالم"، "أنا هو الطريق والحق والحياة"، "أنا هو القيامة"، "أنا هو الباب"، "أنا هو الراعي الصالح"، وفي الرؤيا: "أنا هو الألف والياء، البداية والنهاية، الأول والآخر".]

    • بمعنى آخر، قدم لنا هذا السفر علاقة الابن الأزلية مع الآب، ومعنى هذه العلاقة الفريدة في حياة المؤمنين، ودورها في خلاصهم. أراد الإنجيلي بالكشف عن شخصية السيد المسيح كابن اللَّه الوحيد أن نؤمن به فنخلص، ونحيا أبديًا (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات والتفاسير الأخرى). وقد أبرز الإنجيلي أن معاصري السيد المسيح أنفسهم لم يدركوا كمال حقيقته كما ينبغي ولا مغزى كلماته وتصرفاته الفائقة للعقل. أقرباؤه حسب الجسد مثل أمه وأخوته (أبناء خالته)، وأصدقاؤه، ومعلمو اليهود، والكهنة، وأيضًا المرأة السامرية، وبيلاطس بنطس... هؤلاء جميعًا لم يدركوا كلماته وذهلوا أمام تصرفاته

    • أتجاسر فأقول يا إخوتي أن يوحنا نفسه لم يتحدث في الأمر كما هو، إنما قدر استطاعته فقط. لأنه كان إنسانًا يتحدث عن اللَّه، حقًا مُوحى إليه من اللَّه، لكنه لا يزال إنسانًا   القديس أغسطينوس

    • حافظ الله على حياة هذا الرسول ولم يسمح باستشهاده مبكرًا مع بقية التلاميذ ليقدم للكنيسة الصبية الحق في شيء من الإيضاح (إنجيل يوحنا)، ويدخل بها إلى يوم الرب لتعاين السماء المفتوحة (سفر الرؤيا)

    • ألا ترون أنه ليس بدون سبب أقول إن هذا الإنجيلي يتحدث إلينا من السماء؟ انظروا فقط في البداية عينها كيف يسحب بها النفس، ويهبها أجنحة، ويرفع معه ذهن السامعين. فيقيمها فوق كل الأشياء المحسوسة، أعلى من الأرض والسماء، ويمسك بيدها، ويقودها إلى أعلى من الملائكة أنفسهم والشاروبيم والسيرافيم والعروش والسلاطين والقوات، وفي كلمة يحثها على القيام برحلة تسمو فوق كل المخلوقات   القديس يوحنا الذهبي الفم

    • كان بولس سماءً عندما قال: "محادثتنا في السماء" (في 20:3). يعقوب ويوحنا كانا سماوات، ولذا دعيا ابنيّ الرعد (مر17:3)، وكان يوحنا كمن هو السماء فرأى الكلمة عند اللَّه.   القديس أمبروسيوس

    • عاش القديس يوحنا حتى نهاية القرن الأول، كآخر من رقد بين تلاميذ السيد المسيح ورسله. وقد عاصر الجيل الجديد من المسيحيين، فكان هو - إن صح التعبير - حلقة الوصل بين العصر الرسولي وبدء عصر ما بعد الرسل. لقد أراد أن يقدم الكلمة الرسولية النهائية عن شخص المسيا، وأن يحفظ الكنيسة من تسلل بعض الأفكار الخاطئة

    • يرى بعض الدارسين أن الإنجيلي قصد مواجهة بعض الحركات الغنوسية مثل الدوناتست (الدوسيتيون) Docetism، إذ نادى هؤلاء باستحالة أن يأخذ الكلمة الإلهي جسدًا حقيقيًا، لأن المادة في نظرهم شرّ. لذلك أكد الرسول في إنجيله أن يسوع وهو ابن اللَّه بالحقيقة قد تجسد أيضًا حقيقة، ولم يكن خيالًا، إذ يقول: "الكلمة صار جسدًا". ما كان يمكننا أن نتمتع بالخلاص ما لم يحمل طبيعتنا فيه، ويشاركنا حياتنا الواقعية. لقد أبرز الإنجيلي السيد المسيح في عرس قانا الجليل وهو يقوم بدور خادم الجماعة. لقد حوَّل الماء خمرًا، وهو عمل فيه خلق، لكنه قام به خلال الخدمة المتواضعة غير منتظرٍ أن يأخذ المتكأ الأول. وعلى بئر سوخار ظهر متعبًا وعطشانًا، وعند قبر لعازر تأثر جدًا بعمقٍ وبكى، وفي العلية غسل أقدام التلاميذ، وعلى الصليب عطش

    • غاية هذا السفر الربط بين يسوع التاريخي والمسيح الحاضر في كنيسته. محولًا الأحداث التي تمت في حياة ربنا يسوع للإعلان عن شخصه بكونه رب المجد العامل في كنيسته

    أهداف أخرى للسفر

    يرى البعض أنه قامت خمس نظريات خاصة بغاية هذا السفر، وهم:
    • انطلاق المؤمن بالإيمان بالسيد المسيح ابن الله المتجسد إلى عربون الحياة الأبدية والتمتع بالسماويات كما أوضح الإنجيلي نفسه (يو 20: 30-31). هذا ما تحدثنا عنه قبلًا


    • الرد على الهرطقات والبدع المعاصرة واليهود المقاومين، والدفاع عن الإيمان المسيحي. وسنتحدث عن هذه النظرية فيما بعد

    • نظرية تكميل ما ورد في الأناجيل الثلاثة الإزائية الأخرى. وقد مال إليها يوسابيوس القيصري والقديس جيروم. يصعب القول أن هذا هو ما هدف إليه الإنجيلي. حقًا لقد أمدنا بإعلان الروح القدس بأحاديث وحوار للسيد المسيح مع بعض الشخصيات والجماعات تكشف لنا عن شخص السيد المسيح وعمله الخلاصي وإمكانياته الإلهية التي قدمها لنا وهباته الفائقة وإرساله روحه القدوس وسكنى الثالوث القدوس فينا. قدم لنا فيضًا من اللاهوت الحي العملي الرائع، ومعرفة لاهوتية كاملة

      يوجد تقليد قديم يقول إن القديس يوحنا كتب إنجيله بناء على طلب أساقفة آسيا الصغرى شركائه في الخدمة، إذ يقول القديس إكليمنضس الإسكندري (حوالي سنة 190 م.): [إن يوحنا، آخر الكل، إذ أدرك الحقائق الخارجية التي كشفتها الأناجيل (الأخرى)، حثه تلاميذه كما أوحىإليه الروح ليكتب إنجيلًا روحيًا.] كأن تلاميذه وشركاءه في الخدمة بآسيا سألوه أن يسجل لهم تفسيرًا لاهوتيًا لما سبق فكتبه الإنجيليون الآخرون تاريخيًا. هذا وإن كان كل إنجيلي سجل سفره بالروح القدس ليحمل فكرًا لاهوتيًا متمايزًا ومتكاملًا مع الأناجيل الأخرى

    • مال القديس أكليمنضس السكندري إلى ما يدعوه البعض بنظرية التعليم، حيث يقدم السيد المسيح المعلم. هذه حقيقة لكنه ليس بالمعلم الذي يقدم معلومات خارجية، إنما الذي يضم تلاميذه إليه كأعضاء جسده، يختبرون حياته كحياةٍ لهم

    • نظرية مواجهة الفلسفات المعاصرة للتوفيق بين الفلسفة والإيمان المسيحي. لسنا نظن أن هذا هو الهدف من وحي الروح القدس لهذا السفر، إنما غايته تقديم الحق الإنجيلي الإلهي. لا يعني أن هذا الحق يرفض ويقاوم كل الفلسفات، إنما يغربلها ويرفض ما فيها من باطل. وقد انبرت مدرسة الإسكندرية، خاصة في عصر القديس اكليمنضس السكندري تكشف عن إمكانية التزاوج بين الإيمان الحي والفلسفة بما فيها من حقٍ وليس بما أفسده الإنسان من أوهامٍ وخيالاتٍ

    الرد على الهرطقات والبدع المعاصرة
    واليهود المقاومين وغيرهم

    يرى بعض آباء الكنيسة مثل القديس إيرينيئوس أسقف ليون والقديس جيروم وفيكتورينوس من بيتَّاو أن غاية هذا السفر هو الرد على الهرطقات والبدع المعاصرة في أيامه واليهود المقاومين للكنيسة. يقول فيكتورينوس من بيتَّاو في أواخر القرن الثالث وبدء القرن الرابع: [كتب يوحنا الرسول إنجيله بعد سفر الرؤيا، وذلك بعد أن نشر كل من الهراطقة فالنتينوس وكيرنثوس وإبيون وآخرون من مدرسة الشيطان تعاليمهم في كافة أنحاء المسكونة، مما اضطر الأساقفة الذين في البلاد المجاورة أن يجتمعوا إلى القديس يوحنا واضطروه أن يكتب إنجيل شهادته]

    حقًا لقد قام الرسول بالدفاع عن الإيمان المسيحي في مواجهة عدة جماعات مقاومة للكنيسة، لكن السفر في جوهره هو عطية الروح القدس الذي أوحى للإنجيلي أن يكشف عن الحق الإلهي الذي يمس خلاصنا، ولا يقف عند الجانب السلبي

    ومما لا شك فيه أن هذا السفر يبقى دومُا مصدرًا حيَّا تنهل منه الكنيسة في دحض البدع عبر العصور. ففي رد القديس إيرينيئوس على الهرطقات اقتبس أكثر من 100 شاهدًا منه. وأيضًا كلٍ من هيبوليتس والقديس أثناسيوس الرسولي والقديس كيرلس الكبير، كما استخدمه كثيرًا القديس اكليمنضس السكندري.

    أولًا: الرد على اليهود المقاومين وقد ظهرت مقاومتهم لشخصه في الأناجيل الثلاثة السابقة. استخدم كلمة "اليهود" 70 مرة في هذا السفر مقابل 5 أو 6 مرات في كل سفر من الأناجيل الإزائية. يستخدمها بمعانٍ كثيرة، منها:
    • بمعنى وطني لا ديني، كما في الحوار مع المرأة السامرية (9:4)
    • بمعنى السلطات الدينية، خاصة سلطات أورشليم المقاومة للسيد المسيح (22:9؛ 3:18؛ 13:8)
    يميز الإنجيل بين كلمتي اليهود وإسرائيل، فالأخيرة إيجابية تدل على ميراث العهد القديم الحقيقي. فقد جاء يوحنا المعمدان يعمد بالماء حتى يظهر يسوع لإسرائيل (31:1). ووصف نثنائيل أنه إسرائيلي لا غش فيه (47:1). حينما يتحدث عن أعياد اليهود وعاداتهم (6:2، 13؛ 2:7) لا نجد ما يشير إلى الازدراء

    قاوم اليهود السيد المسيح: "أنت تلميذ ذاك، أما نحن فتلاميذ موسى" (28:9)، وأرادوا قتله، فحسبهم السيد "أولاد إبليس" (44:8-47)، لأنهم يريدون أن يمارسوا عمل أبيهم القتّال منذ البدء

    إنهم ينكرون أنه المسيا ابن الله السماوي (18:5؛ 40:8-49). دبروا المؤامرات لقتله (10: 3039؛ 11: 8 50)، وحرموا من يعترف به أنه المسيا من المجمع (22:9؛42:12)

    أيضًا الأبيونيون وهم جماعة من المؤمنين من أصل يهودي اعتبروا التمسك بالفروض اليهودية وطقوس الآباء ضرورة يلتزم بها المسيحيون. وفي حماسهم الزائد لموسى والأنبياء اعتبروا أن السيد المسيح مجرد ابن لداود بدون وجودٍ له قبل التجسد، ومجرد نبي ممتاز كانوا ينتظرونه، ودعوا أنفسهم الأبيونيين من الكلمة العبرانية ebyon ومعناها "فقير"

    في هذا السفر أوضح:

    ليس من وجه للمقارنة بين موسى مستلم الناموس والمسيح واهب النعمة والحق (17:1). قدم الأول المن، وأما الثاني فهو نفسه خبز الحياة (32:6)
    † نهاية الطقوس اليهودية (2: 1 10)
    † عدم ارتباط العبادة بالهيكل (2: 1 10)
    † اليهود المقاومون ليسوا أبناء إبراهيم، بلأبناء إبليس (8:39 44)
    † لن يلتقي اليهود المقاومون بموسى كشركاء في المجد، بل سيدينهم (45:5)

    ثانيًا: المتشيعون ليوحنا المعمدان
    يرى البعض أن بعض تلاميذه كوّنوا جماعة تعظم يوحنا المعمدان على حساب شخص ربنا يسوع المسيح. كانوا يحسبونه أعظم من المسيح، لأنه جاء قبله، ولأنه عمده. جاء في "التعارفات Recognitions" المنسوب لإكليمنضس أنهم يدَّعون أن معلمهم هو المعمدان وليس يسوع. هؤلاء عاشوا في العالم المسيحي وعارضوا المسيحية. وكان لهم تأثيرهم، خاصة في أفسس (أع 19: 1 8)

    يرى أصحاب هذا الرأي (أن السفر قد كُتب لمقاومة المتشيعين ليوحنا المعمدان) أن الإنجيلي قد أكد أن يسوع المسيح وليس يوحنا المعمدان هو نور العالم (8:1-9). وأنه جاء بعده، لكنه هو سابق له، وأعظم منه (30:1) مع تأكيد أن يسوع وليس يوحنا هو المسيح (20:1؛ 28:3). وأن يوحنا المعمدان جاء شاهدًا ليسوع ينبغي أن الأخير يزيد والأول ينقص (30:3)

    أكد القديس يوحنا بشهادة يوحنا المعمدان نفسه عن عظمة المسيح: فالمعمدان ليس بالنور بل هو شاهد للنور (1:6 8)، وأنه ليس بالعريس بل صديقه (2: 2830)، ليس بحامل خطايا العالم، إنما المسيح وحده هو حمل الله الذي يحمل خطية العالم (29:1)

    حقًا لقد أعلن هذا الإنجيلي مشاعر السيد المسيح العميقة أكثر من بقية الأناجيل، وظهر ذلك بقوة في صلاته الوداعية في الأصحاح السابع عشر حيث صلى بصوتٍ عالٍ. بهذا يقدم لنا الإنجيلي صورة السيد المسيح الفائق الإدراك، والتي لا يمكن التعبير عنها، إذ يدخل بنا إلى كمال أسرار اللاهوت فنقف خاشعين، وإلى كمال ناسوته فنقف مذهولين!

    لم يتجاهل القديس يوحنا الإنجيلي عظمة يوحنا المعمدان، فهو مُرسل من قبل اللَّه (6:1)، وهو السراج المنير الساطع (35:5).

    ثالثًا: الرد على بعض أصحاب البدع جاء في كتاب "ضد الهرطقات" للقديس إيرينيؤس، وهو من رجال القرن الثاني، أن إنجيل يوحنا كُتب ضد كيرنثوس. وهو صاحب نزعة غنوصية، من آسيا الصغرى. في رأي القديس إيرينيؤس أن كيرنثوس ادعى بأن يسوع هو ابن ليوسف، وأن المسيح عنصر سماوي حلّ على يسوع في وقت العماد وتركه بعد موته. كما ادعى أن الخلق قد تم بواسطة قوة خلاّقة لا بواسطة اللَّه

    إذ يذكر القديس إيرينيؤس أسقف ليون أبيون مع كيرنثوس، لذا ظن القديس جيروم أن إنجيل يوحنا جاء ردًا على أبيون وأتباعه، وهي شيعة مسيحية متهودة

    قيل أيضًا أنه موجه ضد الدوسيتيين Docetists الظاهرين، القائلين بالخيالية في جسد الرب. وهو يدعون أن يسوع المسيح لم يأتِ حقًا بالجسد. فجسده ليس جسدًا حقيقيًا بل ظاهرًا أو غازيًا أو أثيريًا. يبدو كأنه إنسان، وبهذا كان تألمه وموته ظاهريين

    رابعًا: نداء إلى المسيحيين الذين من أصل يهودي في الشتات يشير مرتين إلى الذين آمنوا بالسيد المسيح ولم تكن لهم الشجاعة أن يعلنوا إيمانهم خوفًا من الطرد من مجمع السنهدرين. الأولى في 42:12 إذ "آمن به كثيرون من الرؤساء أيضًا غير أنهم لسبب الفريسيين لم يعترفوا به لئلا يصيروا خارج المجمع". والثانية في 38:19 "ثم أن يوسف الذي من الرامة وهو تلميذ يسوع، ولكن خفية لسبب الخوف من اليهود سأل بيلاطس أن يأخذ جسد يسوع"

    خامسًا: مساندة المسيحيين في العالم أيا كان أصلهم جاء يسوع إلى العالم ليكون نورًا لكل إنسان (9:1)، وهو حمل اللَّه الذي يحمل خطية العالم (29:1)، جاء ليخلص العالم (16:3). متى ارتفع على الصليب يجذب إليه كل إنسانٍ (32:12). فهو مسيح العالم. في استهزاء قال اليهود إنه ربما يذهب إلى الشتات لكي يعلم اليونانيين (35:7)، فتنبأوا عن عمله بين الأمم وهم لا يدرون، كما نسمع عن بعض اليونانيين الذين قالوا لفيلبس: "يا سيد، نريد أن نرى يسوع" (20:12-21)

    وفي حديثه عن عمله كراعٍ صالحٍ يؤكد أن له خرافًا ليست من هذا القطيع يجعلها جزءً من رعية واحدة لراعٍ واحدٍ (16:10). وفي 35:4 نرى السيد المسيح قد جاء ليس لفداء الأمة اليهودية وحدها بل ليجمع أبناء اللَّه المشتتين ويوّحدهم. لقد تعرف بعض السامريين عليه، وعرفوا أنه مخلص العالم (42:4)، وقد رأى السيد حقول السامرة قد ابيضّت للحصاد (35:4)

    إنجيل يوحنا والأناجيل الثلاثة الإزائية
    Synoptic Gospels

    إن كان الإنجيل بحسب يوحنا يختلف عن الأناجيل المتشابهة أو الإزائية (متى ومرقس ولوقا) لكننا لا نستطيع أن نبتره عنها تمامًا، إذ يفترض معرفة الإنجيلي يوحنا للأناجيل الثلاثة السابق كتابتها أو على الأقل للتقليد الذي اعتمدوا عليه

    كان الرأي الكنسي الأول يمثله قول القديس إكليمنضس الإسكندري، وهو أن القديس يوحنا أراد أن يقدم تفسيرًا روحيًا للأناجيل الثلاثة السابقة له. هذا الرأي ساد عبر العصور ولازال يقبله كثير من الدارسين، وإن كان بعض النقاد المحدثين يرون أنه لا علاقة بين هذا السفر والأناجيل الثلاثة لا بالإيجابية ولا بالسلبية، ورأى بعضهم أن يوحنا عرف مرقس ولوقا دون متى

    ويلاحظ في هذا السفر أنه يفترض في القارئ معرفته للأناجيل الثلاثة الأخرى؛ نذكر على سبيلالمثال في يو 40:1 يقدم لنا أندراوس هكذا: "كان أندراوس أخو بطرس..."، دون أن يشير قبلًا إلى القديس بطرس. وفي 67:6 يفترض في القارئ أنه يعرف الاثني عشر تلميذًا. وفي 32:1-34 إذ يسجل لنا شهادة يوحنا المعمدان عن السيد، يفترض في القارئ معرفته عن عماد السيد بواسطة يوحنا دون الإشارة إليه

    يعتبر البعض الأناجيل الثلاثة أشبه برحلة السيد المسيح من الجليل إلى أورشليم، فتركز على صعوده الأخير إلى المدينة المقدسة حيث قدم نفسه ذبيحة الفصح الفريدة. أما إنجيل يوحنا فيتحدث عن مناسبات عديدة أقام فيها السيد المسيح في أورشليم، ويذكر عيد الفصح في ثلاث سنوات متوالية، وفي ليلة الفصح الأخير مات المسيح "حمل اللَّه" ليُقدم احتفالًا جديدًا للعالم كله يملأه ببهجة قيامته التي صار تذكارها هو "عيد الفصح المسيحي"

    سجل لنا القديس يوحنا الحبيب بإعلان الروح القدس هذا السفر بعد كتابة الأناجيل الإزائية الثلاثة، سجله للكنيسة الجامعة موضحًا شخص المخلص بكونه الكلمة الأزلي الإلهي، ابن اللَّه مخلص العالم.
    • بسبب حسن يبدأ الإنجيلي يوحنا قصته من الوجود الأزلي. بينما يبدأ متى بعلاقة (المسيح) بالملك هيرودس، ولوقا بطيباريوس قيصر، ومرقس بمعمودية يوحنا، يترك هذا الرسول كل هذه الأمور ليعبر فوق كل زمن وكل عصر

    • لماذا بينما بدأ الإنجيليون الآخرون بالحديث عن التدبير... أشار يوحنا إلى ذلك باختصار مؤخرًا: "الكلمة صار جسدًا". ترك الحديث عن بقية الأمور: الحبل به، وميلاده، ونشأته، ونموه، متحدثًا معنا في الحال عن ميلاده الأزلي...؟ لكي ينزع عن الذين يرغبون في أن يُغرموا بالأرض هذا الأمر، ويجتذبهم نحو السماء. لهذا بسبب حسن يبدأ قصته من فوق ومن الوجود الأزلي. بينما دخل متى إلى الحديث ذاكرًا الملك هيرودس، ولوقا طيباريوس قيصر، ومرقس معمودية يوحنا، ترك هذا الإنجيلي كل هذه الأمور وارتفع فوق كل زمن وكل عصر وسحب فكر سامعيه إلى "البدء" حتى لا يسمح للفكر أن يلتصق بأية نقطة، ولا يرتبط بحدودٍ معينة كما فعل الإنجيليون، إذ ارتبطوا بهيرودس وطيباريوس ويوحنا. وما نشير إليه هو أن ما يستحق العجب أن يوحنا الذي كرّس نفسه لهذا التعليم العلوي لم يتجاهل تدبير (الخلاص)، كما أن الإنجيليين الآخرين لم يقفوا عند الارتباط بهذه الحدود ولا صمتوا عن كيانه قبل العصور. فإنه بسبب صالح الروح الواحد هو الذي حرك هذه النفوس جميعًا. ولذلك اظهروا اتفاقًا عظيمًا في روايتهم  

      القديس يوحنا الذهبي الفم

    • يوحنا الإنجيلي، بين زملائه وأصحابه الإنجيليين الآخرين تقبَّل هذه الهبة الخاصة من الرب. إذ اتكأ على صدره في العيد، إشارة إلى شربه أسرارًا أعمق، وذلك من قلب (الرب) العميق. فصار ينطق بهذه الأمور الخاصة بابن اللَّه، التي قد تثور في أذهان الصغار المتيقظة، ولكنها لم تقدر أن تشبعها إذ هي عاجزة عن استيعابها. بينما بالنسبة لأذهان من هم أكثر نموًا، الذين بلغوا نوعًا من الرجولة الداخلية، فتعطيهم هذه الكلمات ما يختبرونه ويقتاتون به

    • في الأناجيل الأربعة أو بالأحرى في الأربعة كتب للإنجيل الواحد ليس عن غير استحقاق يشبه القديس يوحنا الرسول بخصوص فهمه الروحي بالنسر. لقد ارتفع بكرازته أعلى وأكثر سموًا من الثلاثة الآخرين، وبارتفاعه هذا أراد أن يرفع قلوبنا أيضًا. لأن الثلاثة إنجيليين الثلاثة ساروا مع الرب على الأرض كما مع إنسانٍ، أما عن لاهوته فتحدثوا القليل عنه. أما هذا الإنجيلي فإنه كمن استهان بالسير على الأرض، كما في مقدمة مقاله، فرعد علينا، وحلّق بنا ليس فقط فوق الأرض بل وفوق كل محيط الهواء والسماء، بل وفوق كل جيش الملائكة وكل نظام القوات غير المنظورة، وبلغ إلى ذاك الذي "به كان كل شيء وبغيره لم يكن شيء مما كان"   القديس أغسطينوس

    لم يشترك مع الأناجيل الثلاثة إلا في:

    † عماد السيد المسيح (بالتلميح) ص 32:1-34
    † تطهير الهيكل ص 13:2-16
    † إشباع الجموع ص 1:6-13
    † المشي على المياه ص 16:6-21
    † سكب الطيب في بيت عنيا ص 1:12- 8
    † دخول المسيح أورشليم منتصرًا ص 12:12-19
    † إعلان الخيانة ص 21:13-30
    † آلامه وقيامته، قدمت بطريقة خاصة.
    هذا ولم يذكر الإنجيلي يوحنا سوى سبع آيات فقط، اختارها من بين الآيات والعجائب التي بلا حصر. وقد جاءت هذه الآيات أو المعجزات جديدة لم يذكرها غيره من الإنجيليين، سوى إشباع الجماهير التي سجلها كمقدمة لحديثه الصريح عن الإفخارستيا، والسير على المياه

    ذكر الإنجيلي يوحنا حوادث وأحاديث لم يذكرها غيره من الإنجيليين، فجاء جديدًا على مسامعنا. لم يكرر ما جاء قبلًا مثل ميلاد السيد المسيح، نسبه، التجربة، الموعظة على جبل، التجلي، الأمثال، العشاء الأخير، الآلام في جثسيماني، الصعود إلخ. مكتفيًا أحيانًا بالتلميح

    إنجيل يوحنا بين اللاهوت والتاريخ بلا شك أن إنجيل يوحنا له طابع متميز عن بقية الأناجيل، فإن كانت الأخيرة قد سجلها الوحي الإلهي بغرض تاريخي مع اهتمام كل إنجيل بالكشف عن أحد جوانب السيد المسيح، فإن هذا الإنجيل يغلب عليه الطابع اللاهوتي، وإن كان في عرض تاريخي أيضًا

    في إنجيل مرقس يذكر رحلة واحدة من الجليل إلى أورشليم (مر 1:10)، أما في يوحنا فيذكر ثلاث رحلات (يو 13:2؛ 1:5؛ 10:7). في إنجيل مرقس يأتي تطهير الهيكل في أواخر السفر (مر 15:11)، أما في يوحنا فيأتي في قرب بدايته (يو 13:2 إلخ)

    لقد ركز الإنجيلي يوحنا على شخص السيد المسيح ليعلن أنه كلمة اللَّه الذي فوق الزمن وقد خضع للزمن، وصار له موضع في تاريخ البشرية. حقًا لم يُقصد بالإنجيل أن يستعرض تاريخ حياة السيد، بل أبرز حقيقته بكونه اللوغس "الكلمة الإلهي"، النور، الحق، الحياة، القيامة إلخ. وكأن هذا السفر أراد تأكيد أن التمتع بملكوت اللَّه الداخلي إنما هو تعرُف على شخص المسيا المخلص، وإدراك أسراره عاملة فينا. من أجل هذا خضع للزمن، إذ "صار الكلمة جسدًا"(14:1)

    إن كنا نحن كبشرٍ نحمل جسدًا يخضع للزمن، فبخضوع السيد المسيح بإرادته للزمن واقتحامه تاريخنا خلال تجسده لم يحطم الزمن بل أعطاه قدسية خاصة. ولعله لهذا السبب نجد الرسول يوحنا يهتم بالتدقيق في الحديث عن الأزمنة والأوقات، إذ يقول:
    † "وكان نحو الساعة العاشرة" (39:1)
    † "كان نحو السادسة" (6:4 14:19)
    † "في ست وأربعين سنة بُني هذا الهيكل" (20:2)
    † "وكان شتاء" (23:10)
    † "وكان ليلًا" (30:13)
    ولعل اهتمام الرسول بتحديد الأزمنة تأكيد أن السيد المسيح قد حمل جسدًا حقيقيًا، ودخل في التاريخ البشري، ولم يكن جسده خيالًا كما ادعى البعض مثل الدوناتست

    إذ يسبح القديس يوحنا في اللاهوتيات، بكونه اللاهوتي الأول، يشرح لنا قصد اللَّه و"تدبيره”: "الحكمة بنت لها بيتًا"(أم 1:9). فالحكمة هي المسيح، وأول بيت لها هو العذراء مريم التي بتجسده منها جاء المسيح إلى العالم. والعذراء صورة الكنيسة التي هي أيضًا بيت اللَّه (1 كو 9:3-17)(51)

    تزايد الاهتمام بالجانب التاريخي

    إن كان بعض الدارسين المحدثين أرادوا تفسير إنجيل يوحنا من الجانب اللاهوتي البحت، متجنبين قيمته التاريخية، لكنهم وجدوا أنفسهم أمام هذه الحقيقة: أن هذا اللاهوت سُجَل في قالب تاريخي. لذلك نما الاتجاه نحو الاهتمام بالجانب التاريخي والاجتماعي والجغرافي لهذا السفر خاصة في الأحداث التي وردت في هذا السفر وحده دون بقية الأناجيل، من ذلك دراسات كل من وغيرهم. هؤلاء ركزوا على الآتي:
    • ما جاء في الأصحاح الرابع بخصوص السامريين، وفكرهم اللاهوتي، وممارستهم للعبادة على جبل جرزيم، وموقع بئر يعقوب بدقة
    • في الأصحاح الخامس نجد معلومات دقيقة عن بركة بيت حسدا، من جهة اسمها وموقعها وأبنيتها
    • مقالات لاهوتية خاصة بعيد الفصح (إصحاح 6)، وعيد المظال (ص 7، 8)، تقدم لنا معلومات دقيقة عن الاحتفالات الخاصة بالأعياد وقراءات المجمع اليهودي في أثنائها
    • تفاصيل خاصة بأورشليم، مثل الإشارة إلى بركة سلوام (7:9)، وإلى رواق سليمان كملجأ في الشتاء (22:10-23)، وإلى الممر الحجري في بلاط بيلاطس (13:19). بمعنى آخر يمكننا القول إن هذا السفر قدم لنا معرفة دقيقة خاصة بفلسطين قبل دمار أورشليم سنة 70 م. وتحطيم معالمها

    سماته

    من سمات انجيل يوحنا
    • إنجيل القداسة الإلهية
      يكشف لنا هذا السفر عن قداسة اللَّه بطريقة رائعة مفرحة. فكلمة قداسة في اليونانية تعني "لا أرضي". فالقداسة اسم يخص اللَّه، ليُعلن لنا ما هو فوق إدراكنا،وقد ارتبطت قداسة اللَّه قديمًا بالخوف:
      "فارتعد كل الشعب الذي في المحلة... وارتجف كل الجبل جدًا"(خر 12:19- 25).
      "أما وجهي فلا تستطيع أن تراه، لأنه لا يراني إنسان ويعيش"(خر 20:23).
      "ويلي قد هلكت، لأني رجل دنس الشفتين... وقد رأت عيناي الملك رب الجنود"(إش 5:6).
      يكشف إنجيل يوحنا العهد الجديد في أعماقه حين نزل السماوي إلى الأرضيين، وأعلن قداسته مقرونًا بالمجد لا بالرعد: "حلّ بيننا ورأينا مجده"(14:1).

    • إنجيل الإيمان العامل بالمحبة ، واهب الحياة
      اتسم هذا السفر بوجود مصطلحات معينة متكررة تختلف عما وردت في الأناجيل الأخرى. ولعل من أهم الكلمات التي تكررت فيه هي: يؤمن (98 مرة)، يعرف (55 مرة)، يحيا (55 مرة)، يحب (20 مرة)، يشهد (21 مرة). تكرار هذه الكلمات لم يأتِ مصادفة أو بدون حكمة، فقد أراد الوحي الإلهي أن يكشف عن غاية هذا السفر، ألا وهو الإيمان القائم على المعرفة الروحية، لكي يحيا الإنسان بروح الحب.

      فإن كانت كلمة "يؤمن" قد تكررت 98 مرة في السفر كله، فإنها تكررت 74 مرة في الاثني عشر إصحاحًا الأولى، هذه الأصحاحات التي تُدعى "كتاب الآيات أو المعجزات"، شملت سبع آيات صنعها السيد المسيح. وكأن غاية هذه الآيات هي "الإيمان" بكونه سرّ حياتنا وخلاصنا. ويلاحظ أن الكلمة: "يؤمن" جاءت في هذا السفر 39 مرة لتعني ليس مجرد تصديق أقوال السيد، وإنما إعطاء الإنسان ذاته للًّه أو تحركه عمليًا نحوه كما جاء في 11:12 "لأن كثيرين من اليهود كانوا بسببه يذهبون ويؤمنون بيسوع". وربما جاءت الكلمة عن أصل عبري يعني أن الشخص يسلم نفسه بثقة للغير

      تكررت أيضًا كلمة "يعرف"، ليؤكد الرسول أن الإيمان وهو يحمل معنى التسليم مع الثقة في اللَّه، هو تسليم النفس العاقلة التي تتقبل حب اللَّه، وتتعرف على أسراره، فترتمي في أحضانه. الإيمان لا يتقبله الأغبياء، ولا يعني الجهالة، بل يسير جنبًا إلى جنب مع المعرفة الحقيقية، خاصة التي يعلنها اللَّه نفسه ليتقبلها العقل، وإن كانت فائقة عن قدراته، لكنها ليست متعارضة معه أو مناقضة له.

      المعرفة هنالا تعنيمجرد الإدراك الذهني النظري، إنما تعني الاتحاد الكامل في الحق والحب، أو شركة الحياة، الأمر الذي أوضحه الإنجيلي في رسالته الأولى: "الذي رأيناه وسمعناه نخبركم به، لكي يكون لكم أيضًا شركة معنا، وأما شركتنا نحن فهي مع الآب ومع ابنه يسوع المسيح" (1 يو 3:1).

      أما غاية المعرفة فهي "الشركة مع اللَّه" ليمارس حياته فينا، فنحمل طبيعة محبته. هذا هو الحب الخلاصي الذي يسكبه فينا لنختبره ونعيشه. جاء الإنجيل يعلن لنا: "هكذا أحب اللَّه العالم حتى بذل ابنه الوحيد، لكي لا يهلك كل من يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبدية" (16:3). هذا الحب الخلاصي قدمه الابن، إذ يقول: "وأنا إن ارتفعت عن الأرض أجذب إلى الجميع"(32:12). "أما يسوع... وهو عالم أن ساعته قد جاءت لينتقل من هذا العالم إلى الآب، إذ كان قد أحب خاصته الذين في العالم، أحبهم إلى المنتهى"(1:13). الإيمان بالصليب ينير بصيرتنا، فنتعرف على اللَّه، بكونه محب البشر الباذل، لذا يؤكد السيد: "متى رفعتم ابن الإنسان، فحينئذ تفهمون إني أنا هو"(28:8). نعرفه أنه اللَّه الكائن، الذي يحب خليقته حتى النهاية.

      هكذا يرتبط الإيمان بالمعرفة والحب ليحيا الإنسان بالإيمان الحي خلال المعرفة الروحية، ممارسًا طبيعة الحب.

      الحب الخلاصي الذي نتذوقه فنتجاوب مع اللَّه بالحب، إنما ينبع عن طبيعة الحب الأزلية التي بين الآب والابن (35:3؛ 9:15). وخلاله نمارس حبنا أيضًا لبعضنا البعض (14:13).
      كأن الإنجيلي يوحنا، وهو رسول الحب، يحدثنا عن:
      • حب الآب للسيد المسيح.
      • حب الآب للبشرية خلال بذل ابنه وحيد الجنس.
      • حب السيد المسيح الخلاصي للبشر، خاصة في حديثة الوداعي.
      • حبنا للَّه.
      • حبنا لبعضنا البعض كعلامة شركتنا في الحب الإلهي.
      • إنجيل الحق

      جاءت كلمة "الحق" 25 مرة في هذا السفر. و"الحق" هنا يختلف عما يعنيه الغنوسيون أو الهيلّينيون(55)، إذ هو ليس ثمرة فكر بشري بحت، أو فلسفة إنسانية يتعرف عليها، وإنما "الحق الإنجيلي" يعني الآتي:

      أولًا: الكلمة الإلهي:
      نفسه الذي يحرر النفس من ظلمة الخطية: "وتعرفون الحق، والحق يحرركم"(32:8). الكلمة الإلهي الذي فيه نتقدس، كما جاء في صلاته الوداعية: "قدسهم في حقك، كلامك هو حق"(17:17).

      ثانيًا: يُعلن لنا إلهيًا:
      إذ يقول السيد المسيح: "الذي من اللَّه يسمع كلام اللَّه، لذلك أنتم لستم تسمعون لأنكم لستم من اللَّه"(47:8). "وأما المعزي الروح القدس الذي سيرسله الآب باسمي فهو يعلمكم كل شيء، ويذكركم ما قلته لكم"(26:14).

      ثالثًا: الحق هو حياة تُعاش وتُمارس:
      "وأما من يفعل الحق، فُيقبل إلى النور، لكي تظهر أنها باللَّه معمولة"(21:3). "سالكين في الحق"(2 يو 4).

    أقسامه

    اتفق الدارسون على أن هذا السفر يمتاز بتقسيمه الدقيق الهادف، وإن كانوا قد اختلفوا فيما بينهم بخصوص التقسيم، نذكر على سبيل المثال التقسيم الذي رآهD. Mollat ، وهو أن السفر بعد المقدمة ينقسم إلى تسعة أقسام حسب الليتورجيات الخاصة بالأعياد اليهودية الرئيسية:
    † مقدمة السفر ص 1:1-18
    † الأقسام التسعة
    † الأسبوع الأول من الخدمة المسيانية ص 19:1 - ص 11:2
    † الفصح الأول ص 12:2 - ص4
    † السبت ص 5
    † الفصح الثاني ص 6
    † عيد المظال ص 7 - ص 10: 21
    † عيد التجديد ص 22:10 - ص 54:11
    † الفصح الثالث ص 55:11 - ص 42:19
    † القيامة ص 20
    † ظهورات المسيح المقام ص 21


    Source: St. Takla - Fr. Tadros Malaty





Scroll to Top